ميانمار.. أي إرهاب أكبر من هذا؟

من أسوأ الحروب التي تقع بين البشر تلك التي تندلع لتصفية أمة من الناس على أسس عقائدية وهي سيئة مثل كل الحروب إلا أنها بالغة في السوء لأن نهايتها لا تكون بهزيمة أحد الطرفين أو استسلامه ولكن فصول النهاية فيها دائمًا ما تكون بفناء أحد الطرفين فناءً تامًا لماذا؟

لأنهما لا يتقاتلان من أجل استرجاع حق أي حق مادي أو معنوي يتمسك كل طرف منهما بأحقيته وملكيته له ولكنهما يتقاتلان في هذه الحالة من أجل إخفاء معتقد باطل وضار من الممكن أن يهدد بقاؤه الوجود والبشرية على حد سواء في رؤية كل طرف منها للآخر ومن ثم فإنه ينبغي القضاء على هذا الآخر وإخفاؤه إخفاء تامًا وأبديًا وهذا هو ما لجأ إليه النظام في ميانمار في حروب التطهير العرقية التي قاربت نصف قرن كامل ضد أقلية الروهينغا المسلمة السنية التي تمثل سبعة بالمائة في ميانمار ذات الغالبية البوذية!

الواقع أن هذه الرغبة المؤكدة في إبادة المسلمين الروهينغا والتي تغذيها وتدفعها العقائد الباطلة الخربة مثل البوذية وغيرها (لأنه يمكن عندهم أن يكون الفرد معتنقا لمجموعة من المعتقدات والديانات جنبًا إلى جنب مع البوذية في آن واحد!) هذه الرغبة في إبادة المسلمين الروهينغا ربما كانت خيارًا استراتيجيًا وسلاحًا ماضيًا استخدمه النظام الميانماري بالتواطؤ مع المتطرفين البوذيين لاستئصال المسلمين في إقليم راخين (أراكان سابقًا).

وربما كان حرمان النظام العسكري البوذي للمسلمين الروهينغا من حق المواطنة بموجب القانون الجائر الذي أقرته ميانمار عام 1982 واعتبارهم لاجئين غير شرعيين (مع أن الحقيقة أنهم سكان أصليون يمتد تاريخهم إلى القرن الثامن الميلادي) وما ترتب عليه حرمانهم من تملك العقارات وممارسة أعمال التجارة وتقلد الوظائف في الجيش والهيئات الحكومية وحرمانهم من حق التصويت بالانتخابات البرلمانية وتأسيس المنظمات ربما كان ذلك هو بداية حقيقية ومقدمة لذلك الخيار وتلك الاستراتيجية التي تعمد للإبادة على أسس أيديولوجية عقائدية لأنه يرونهم لاجئين دخلاء غير معترف بهم!

وثانيًا وهذا هو الأهم لأنهم مسلمون ويعبدون إلهًا واحدًا لا يشركون معه إلهًا آخر وأنهم بذلك مصدر الإرهاب والشقاء للبشر! وهذا ما يتوافق مع دعوات الكهنة البوذيين مثل الكاهن المتطرف آشين ويراثو الذي يؤكد في دعواته أن المسلمين الروهينغا ليسوا أصلًا من ميانمار ولا يحق لهم البقاء فيها وأن أغلبهم إرهابيون ويرفضون الأديان الأخرى لإيمانهم بإله واحد وأنهم يخططون للشر دائمًا وينتشرون كما الطاعون في كل بلاد العالم لذا يجب قتلهم!

وبالرغم من وعود أونج سان سو تشي مستشارة الدولة بتهدئة الأوضاع في ميانمار وإحلال السلام ووقف عمليات القتل والطرد والاضطهاد للروهينغا إلا أنها لم تف بشي من ذلك بل دافعت أونج عن عمليات التطهير ذاتها! وهاجمت الموقف الدولي ووصفته بالتدخل في شؤون بلادها.

ومع هذا فان الحقيقة الظاهرة التي لن تبوح بها أونج سان سو تشي أنه من مصلحة النظام استمرار هذا الانفلات بين البوذيين والروهينغا لأن في ذلك ما يشغل ويصرف الأنظار عن فساد الحكومة ووضعها المتردي من ناحية ومن ناحية ثانية فإن توظيف الإرادة العقائدية البوذية على النحو الذي تصبح فيه هذه الإرادة هي القائد الفعلي الذي يأمر ببدء العمليات العسكرية لسحق الروهينغا وتصفيتهم.

هذا التوظيف إذا تمكنت منه – وقد تحقق بالفعل – فإنها تضمن حصول الإبادة التامة والتصفية الكاملة للمسلمين الروهينغا على أيدي الأتباع البوذيين المؤمنين الخلص! ودون رجوعهم إلى قيادة سياسية أو دينية ظاهرة لتلقي الأمر بالهجوم أو الانسحاب أو حتى وضع الخطط المحكمة.

أي إرهاب أكبر من هذا الذي تقوم به ميانمار على الأقلية الروهينغية المسلمة؟!

المصدر : ساسة بوست