قبائل "النور" في غزة.. هل يفرض المجتمع العزلة الاجتماعية عليهم؟
خاص صحيفة كل أخبارك- اسلام الخالدي
بعد غروب شمس كل نهار يبدأ بتحضير أدوات العزف الخاصة به ويهندم ملابسه ويصفف شعره ويذهب ليلاً حيث فرقته الموسيقية التي يعمل بها لإحياء الحفلات الاجتماعية ومنها الأفراح بما إنه عازف (قيثار) منذ عشرة أعوام هذه حكاية شاب (ح ش) من حارة النور بحي الصفطاوي.

ويقول الشاب الذي لم يود التطرق لذكر اسمه لـ "صحيفة كل أخبارك": "حياتي بدأت مع الموسيقي منذ عشرة أعوام حيث كنت أذهب الحفلات كثيراً إلى أن التحقت بدورة خاصة بتعليم فنون الموسيقي ومنذ حينها أكملت مسيرتي نحو ذلك" مشيراً إلى أن أغلب الأشخاص الذي ترجعهم أصولهم إلى قبائل (النور) بغزة أغلبهم يعملون في فرق دبكة وموسيقي.

المجتمع يفرض العزلة عليهم

وعن حياتهم الاجتماعية يضيف: "نحن في عزلة اجتماعية المجتمع فرض ذلك فنحن أقلة نقطن في أماكن محددة منذ قديم الزمن ولا يمكن الاختلاط مع من هم غيرنا من الأشخاص الأخرين إلا أناس أقلة فلدينا أصدقاء من الغزيين اللاجئين والمواطنين لكن العلاقة تبقى محصورة على من هم يجاوروننا فقط بالسكن" منوهاً إلى أنهم في المناسبات الاجتماعية يد واحدة يجتمعون على طبق واحد مترابطين اجتماعياً بكل حب وود فهم أشد عداءً على من يلحق الضرر بأحدهم كونه سيؤذي الكثير منهم ذلك الأمر الذي يدفهم لصد أي ردة فعل غير مرغوبة تجاههم.

وعن نظرة المجتمع إليهم يتابع: "الناس في غزة تسير على مقولة السيئة تعم والحسنة تخص فجميعنا نحن النور نسير في مركب واحد يعتبرون بأننا غير أخلاقيين لامتهان بعضاً منا مهن لا تناسب المجتمع كالتسول وآخرون يعملون في تجارة المخدرات والنساء قديماً كانوا يعملن راقصات كل هذا دفعهم بعدم الاختلاط بنا؛ تخوفاً على سمعتهم".

وعن أماكن تواجدهم يشير إلى أن أغلبهم يعيشون في منطقة الصفطاوي وجزء منهم يأخذ مكاناً مستقلاً نحو المناطق الحدودية كمدينتي رفح وخان يونس مؤكداً على أن العادات والتقاليد الخاصة بهم لم تتغير بعد والتي ارتبط بتكوين شخصيتهم وطابعهم حتى هذا اليوم.

حكومة #حماس حدت كثيراً من طباعهم

وفي الحديث مع (محمد خ) أحد جيران النور في منطقة الصفطاوي بغزة يقول لـ "صحيفة كل أخبارك": "في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية كان الطابع العام على حي النور هنا تسوده الأخلاق السيئة من ارتكابهم لجرائم الزنا ورقص النساء في مكان مشهور خاص بهم اسمه (السوافي) والذي اعتمدوه حالياً للعب كرة القدم والتنس والطاولة فهم يمتازون بها جيداً" مشيراً إلى أنه منذ تولي حكومة #حماس الحكم وسيطرتها على غزة بالكامل فقد أنهت جميع أشكال الأفعال الشاذة التي كانوا يقومون بها بتقيد أفعالهم وزج من يخالف القانون بالسجن.

مناسباتهم خاصة بهم حتى لباسهم فمن يراهم يعرف أنهم من قبيلة (النور) فهم ما زالوا يعتمدون البنطال الضيق والرجال يكتحلون بالكحل الأسود والنساء بعض منهن ما زلن يرتدين الخلخال والكعب العالي والشعر ذو اللون المائل للحمرة هذا ما أوضحه.

ويشير إلى أنهم في المناسبات الاجتماعية والدينية يقومون بكافة الطقوس التي نسير نحن عليها يتشاركون معنا بالأفراح والمناسبات إلا أن قليل منهم يفضلون الانعزال لوحدهم كنوع من العزلة التي فرضها الشعب الغزي عليهم منذ قديم الزمن مؤكداً على أن منهم فئة ملتزمة دينياً وأخلاقياً يعيشون كباقي الغزيين.

لا يعرفهم إلا من يعاشرهم

ويضيف: "قلوبهم بيضاء جداً لا يعرفهم إلا من يعاشرهم ويتقرب إليهم فهم في الأزمات التي تشمل القطاع كالحروب يكونون يداً واحدة ويمدون يدهم للعون والمساعدة فمنهم من قدم روحه فداءً للوطن لكن المجتمع ينظر بأن جميعهم سواسية بالفعل والخلق وهذا من الأمر الخاطئ الذي ما زلنا نحن عليه".

يسكنون بالأراضي الحكومية

وعن أصولهم تحدثنا مع الباحث في التاريخ المعاصر شادي عليوة يقول: "ترجع أصول قبائل النور الى بني جساس حيث شُردوا من الزير سالم وقتلوا أخاه (كليب) وتواجدت قبائل النور في #فلسطين واستقروا في #القدس ونابلس وغزة قبل عام 1948 يعيش منهم في قطاع غزة بمنطقتي (الصفطاوي والتوام) شمال القطاع ويبلغ تعدادهم بالمئات".

ويضيف: "اشتهروا الغجر بالطرب وجلسات الرقص ويعانون من الفقر المدقع وكان التسول مهنة لهم فما زالوا لا يمتلكون بيوتاً للسكن ويتنقلون بين القرى والمدن الفلسطينية إلا أنهم حالياً يسكنون في أراضي حكومية".

ولا يرغب المجتمع بالانخراط بهم والزواج منهم فينظر إليهم نظرة دونية على اعتبار من أنهم بعيدون كل البعد عن مستواهم الفكري والثقافي والاجتماعي لذلك تعتبر قبائل (الغجر) من الطبقات المهمشة في المجتمع الفلسطيني ويذكر أنهم اشتهروا بالترحال وعدم الاستقرار لأن المجتمع رفض دمجهم والاختلاط بهم هذا ما أكده.

يجب أن ينهض المجتمع بتفكيره ووعيه

وفي الحديث مع فضل أبو هين دكتور علم الاجتماع بجامعة الأقصى فيقول: "قبائل (النور) أو ما يطلق عليهم (الغجر) هم مجموعة انسلخت عن المجتمع لا يمكن أن يتقبلها في مناسباته الاجتماعية يعيشون في أماكن معينة خاصة بهم لا يختلط بهم سوى من فصيلتهم".

ويضيف: "هذه الفئة من الناس تحمل نظام ثقافي مختص بها كالرقص واحياء الحفلات الماجنة بالأفراح فلذلك الأمر يرتبط في ذهن المجتمع ما كانوا يقومون به فعدم التزامهم بثقافة وتقاليد المجتمع يجعلهم خارج النطاق الاجتماعي".

ويشير د. أبو هين إلى أنه يوجد في المجتمعات بعض المسميات التي تعني وصمة اجتماعية كتاجر المخدرات والعميل وغيرها ومنها كلمة النور مؤخراً فتعني وصمة على الشخص الذي تطلق عليه لقب (نوري) وحين يتسم الشخص بصوته المرتفع يقال له اصمت يا نوري لذلك الأمر ارتبطت كلمة النور بالشيء السلبي بالمجتمع مؤكداً بأن ثقافة الانسان تأتي من التسمية التي يأتي بها فهي كلمة مستقبحه وغير مقبولة اجتماعياً.

ويتابع: "اليوم عندما نعلم بأن هذا الشخص ابن قبيلة النور تظل الحساسية الاجتماعية موجودة ولا يمكن الاختلاط بهم فهم من المجتمع والمجتمع هو من عزلهم".

ويطالب المجتمع الغزي بأن ينهض اليوم بثقافته والعمل على توعية الأجيال ليكونوا أكثر وعياً في كيفية التعامل معهم؛ كي يتمم مزجهم بالمجتمع لذلك نشدد بأن نعطي فرصة لهؤلاء الناس لتنمية الجانب الحسي في شخصيتهم والابداع والتعلم والانجاز والتسامح؛ لكي يرتقوا بأنفسهم في حين أعطيناهم سابقاً فرصة للاتجاه نحو الرقص وتجارة المخدرات واحياء الحفلات ومن الصحيح ألا نحاسبهم على الماضي بل ما سيصدر منهم بالمستقبل في حين أتحنا لهم الفرصة بتغيير من ذاتهم.

المصدر : دنيا الوطن