قراءة مختلفة: تفجيرات مترو لندن فشل أمني جديد يجب التحقيق فيه 

أعلنت شرطة لندن الجمعة 22 سبتمبر الماضي توجيه تهمة الشروع في القتل إلى شاب في الثامنة عشرة من عمره في إطار التحقيق حول الاعتداء الذي استهدف مترو لندن في 15 سبتمبر وأوقع 30 جريحًا.

وتابعت الشرطة في بيان أن أحمد حسن الذي أوقف صباح السبت في دوفر وجهت إليه أيضًا تهمة استخدام مادة بروكسيد الأسيتون القابلة للتفجير.

والشاب عراقي يتيم كان يعيش مع عائلة بريطانية تبنته في ضاحية «سانسبوري» في لندن في منزل كان من بين المنازل التي فتشتها الشرطة بعد الهجوم.

في وقت سابق الجمعة قالت قائدة شرطة لندن «كريسيدا ديك» إن القنبلة التي أشتعلت في قطار مترو في ساعة ازدحام «كانت شديدة الخطورة» ومحشوة بالشظايا المعدنية. وكانت شرطة لندن قد أوقفت 6 أشخاص للاشتباه بتورطهم في الهجوم وتم الإفراج عن اثنين منهم لاحقًا فيما لا يزال الأربعة الآخرون قيد الاحتجاز.

نستطيع القول أن تعامل الأجهزة الأمنية في بريطانيا كان له شقان واحد إيجابي وآخر سلبي. فالجانب الإيجابي كان:

عدم استخدام مصطلح الذئاب المنفردة

لعلنا جميعًا نعلم أن الأجهزة الأمنية ارتكبت أخطاء فادحة فيما قبل حين كانت تستخدم مصطلح «الذئاب المنفردة» وهو مصطلح كسول إن لم يكن يمنعنا من تفادي هجمات مرتبطة فهو على حد أقل يؤخرنا في الحيلولة دون هجمات إرهابية أخرى. فالأبحاث أثبتت أن هذه النظرية هي نظرية لا يمكن الاستناد إليها وإطلاقها على هجمات التنظيمات الراديكالية الإسلامية (داعش والقاعدة).

إن التشخيص الدقيق لظاهرة معينة يجعل من توقع الحل أمرًا أسهل بكثير لقد فشلنا بحق بتشخيص هذه الظاهرة واندفعنا وراء دراسات لا تستند إلى التحقيقات على الأرض وشكّلنا هالة إعلامية أعجبنا أن تكون سبق صحافي أو سبق تلفزيوني ووظفنا أشخاصًا وصفناهم بالمتخصصين بمجال الإرهاب ليتحدثوا لنا عن الإرهاب الجديد «إرهاب الذئاب المنفردة» فكنا مجرد وسائل لتغطية الضعف والفشل الأمني الذي كانت تعاني منه الأجهزة الأمنية في كل مكان.

لقد تمكن «أبو محمد العدناني» الناطق الرسمي السابق لتنظيم الدولة من خداعنا جميعا حين دعا أنصار التنظيم للقيام بعمليات الجهاد الفوضوي وجهاد الذئاب المنفردة في الوقت الذي كان يرسل رجاله الذين كانوا يؤسسوا لشبكات وتجمعات سرية يلزمنا أشهر لتفكيكها.

كان بارعًا جدًا في أن يصنع غيمة من الضباب تحجب عنا الرؤية عن خططه التي كان يرسمها بالخفاء ويعد لها غرفا سرية في مدينتي «الرقة» السورية ويُوظف أشخاص مهرة بالتواصل مع الناس وبعلم النفس ليُنشئ جيشًا قادرًا على مهاجمة أي مكان في العالم والتي لم تكن تكلفته في بعض الأوقات إلا الإنترنت وقدرة هائلة على التجنيد. (للمزيد العودة لكتابنا: خرافة ذئاب داعش المنفردة).

تحركت الأجهزة الأمنية البريطانية بسرعة كبيرة هذه المرة خارج إطار الذئاب المنفردة ومنذ اللحظات الأولى بدأت بتفتيش منازل وإلقاء القبض على مشتبه بهم تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 48 سنة في مدن ومناطق مختلفة وهو ما يُشكل قفزة نوعية في سبيل تخلصنا من خرافة الذئاب المنفردة.

الناحية السلبية: عدم القدرة على توقع مثل هذا الهجوم والحيلولة دونه

كانت مجلة الإلهام “INSPIER” قد نشرت مؤخرًا العدد 17 في تموز 2017 وتصدر غلاف العدد صورة قطار على سكته الحديدية حيث دعا تنظيم القاعدة الإرهابي أنصاره في بريطانيا إلى تعطيل السكك الحديدية عبر وضع أداة على القضبان لجعل القطارات تنحرف عن مسارها؛ مما قد يتسبب في خسائر فادحة في الأرواح وإثارة الرعب بين المسافرين والركاب. لقد ركّز العدد في أغلب صفحاته على كيفية مهاجمة القطارات في كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية واستعرضت المجلة تاريخ السكك الحديدية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة ومن ثم قدّرت طول هذه السكك مع مترو الأنفاق في أمريكا بما يقارب “240” ألف كيلو متر. وقالت: إن تأمين آلاف من الكليومترات في المملكة المتحدة والولایات المتحدة «مستحيل عمليا» وإن الهجمات ستتسبب في خسائر فادحة ودمارًا هائلًا.

وخصصت المجلة 32 صفحة من صفحاتها الـ 96 لشرح كيفية مهاجمة القطارات وصنع أداة لحرف القطار عن مساره واستمرت بالتحريض والشرح في كل فقراتها المعتادة في «نصائح للمجاهد الفردي» و«مصدر مفتوح للجهاد» و«المقالة الأصلية». وقالت: إن أي هجمات ستجبر الحكومات على فرض إجراءات أمنية على غرار المطار على المسافرين بالسكك الحديدية. وتشير المجلة إلى أن هذا النوع من الهجمات لا يتطلب انتحاريين ولذلك يمكن معاودته أكثر من مرة ويتضمن العدد “نصيحة حمزة بن لادن لطالبي الاستشهاد في الغرب” ومقالات لتفنيد مصطلح المدنيين.

وأوضحت مجلة «إنسباير» أن القاعدة تريد من أنصارها مهاجمة السكك الحديدية في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة معتمدة على أن تأمين مئات الآلاف من الكيلومترات مهمة شاقة ومستحيلة عمليًا.

وقالت: «لقد حان الوقت لأن نبث الخوف بينهم وندفعهم لفرض إجراءات أمنية مشددة كما فعلوا في النقل الجوي».

ونشر معهد «أبحاث الإعلام للشرق الأوسط» تقريرًا في وقتٍ سابق أيضًا يشير فيه إلى أن تنظيم «القاعدة» صنع فيديو ترويجيًا يحمل لمحات من مقالات الإصدار القادم من مجلته الدعائية وتم تناقله من قبل مؤيديه على منصات بتطبيق “تليجرام” للمراسلة على الهواتف الذكية.

وقال المعهد إن الفيديو يُسلط الضوء على أن إخراج القطارات عن قضبانها هو عمل بسيط في تصميمه باستخدام مواد سهل الحصول عليها وأن مثل هذا الهجوم سيكون من الصعب كشفه وأن النتيجة يمكن أن تدمر قطاع المواصلات في بلد بأكمله أو اقتصاد الغرب بشكل عام.

ويركز الفيديو بشكل كبير على خطوط الأنفاق أكثر من القطارات؛ حيث تظهر فيه عربات تسير بسرعة داخل أنفاق لكن من غير الواضح في أي مدينة تقع تلك الخطوط الموجودة في الفيديو.

ويعرض الفيديو أيضًا طريقة عمل معدات معينة يمكن تثبيتها بإحكام في القبضان وتتسبب في خروج القطار عن مساره مستشهدًا ببيان صادر عن مكتب المساءلة بالحكومة الأمريكية يتحدث فيه عن أن خطوط الأنفاق هدف سهل لعمليات التخريب.

ست خطوات مشروحة بشكل تفصيلي في مجلة انسباير لصنع تلك الأداة لحرف القطارات وأدوات هذه العملية يمكن شرائها من أي مكان دون أن يُثيروا الشك أبدًا. وبالفعل فقد كشفت التحقيقات في قضية تفجير قنبلة مترو لندن حقيقة مرعبة هي أن منفذ الهجوم اشترى عددًا من مكونات قنبلته من موقع أمازون الشهير.

وأشارت محكمة وستمنستر الجزئية وسط لندن الجمعة إلى أن أحمد حسن (18 عامًا) المتهم الرئيس في تدبير الهجوم في محطة “بارسونز غرين” غربي المدينة عبأ القنبلة بمسامير وشظايا يعتقد أنه اشتراها من موقع أمازون الذي رفض بدوره التعليق.

وعمد أحمد وهو طالب لجوء عراقي دخل إلى بريطانيا بشكل غير شرعي إلى هذا الفعل من أجل إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر من جراء التفجير.

إذا ما نظرنا إلى تاريخ اصدار العدد وهو شهر يوليو (تموز) 2017 وبين التفجير الذي حدث في مترو لندن 15/9/2017 سنجد أن الفاصل الزمني يبلغ ثلاثة أشهر ونصف ولم تستطع الأجهزة الأمنية في بريطانيا ولا أجهزة مخابراتها «MI5» و «MI6» من مراقبة القطارات ومترو الأنفاق. وتثور تساؤلات عديدة هل أن الأجهزة الأمنية كانت غافلة عن ذلك التهديد الصريح؟ أم أنها لم تحمله على محمل الجد؟ أم أنها قامت بكل الوسائل الكافية ولكنها لم تستطع الحيلولة دون هذا الهجوم؟

كل هذه الأسئلة تدفعنا بالمطالبة بفتح تحقيقات جدية موازية للتحقيقات التي تقوم بها أجهزة الأمن وأجهزة المخابرات المستهدف بهذه التحقيقات هي نفس هذه الأجهزة الأمنية وأجهزة المخابرات كي يتضح لنا من هو المقصر في كل تلك الهجمات التي تشلّ حركة أوروبا. والتعامل مع أرواح بشر أبرياء يقتضي منا المطالبة بهذا الأمر.

المصدر : ساسة بوست