«جماعات الدم 2»: الخناّقون.. 6 قرون في الظل ومليوني إنسان قتلوا بخِرَق القماش!

الزمن: أواسط القرن الثالث عشر المكان: شبه القارة الهندية قرب مقاطعة «دلهي».

القمر يسطع في كبد السماء في ليلةٍ من الليالي ونسمات باردة رحيمة تهب بعد طول عناء ومشقة فيتوقَّف الركب المسافر الصغير للراحة وشرب الماء يجذب انتباههم جمع من الناس يتمازحون ويعدون طعامًا للعشاء فيتوجه الركب إلى الجمع المسالم طلبًا للمؤانسة وتبادل الحديث؛ بعد سويعات قليلة يندمج الجَمعان في ود ويتشارك الجميع الطعام والسَمَر وفجأة من قلب الظلام تنقض الأشباح التي تحمل الأوشحة الصفراء على الركب المسافر في سرعة ووحشية يخنقون الواحد تلو الآخر بكل قوة وبلا رحمة وفي غضون دقائق تفترش الجثث الأرض في مشهد حزين يثير الرعب.

تلك الحادثة ليست وصفًا لأحد المشاهد السينمائية وإنما مشهد مأساوي من أحد فصول التاريخ البشري ومن أكثرها دموية أيضًا وهو تاريخ جماعة الخناقّين التي روعّت الكثير من الأبرياء لمدة 6 قرون تقريبًا قبل أن ينهي أثرها البريطانيون في القرن الـ19 أثناء استعمار الهند.

اقرأ أيضًا: جماعات الدم: «الفايكنج» الذين روعوا أوروبا ووصلوا إلى شواطئ أمريكا والأندلس

الجذور..

أشهر المصادر العربية التي ذكرت تلك الجماعة المخيفة هو كتاب «الحيوان» للأديب والمؤرخ العربي الشهير «الجاحظ» كما جاء في دراسة «الخناقون جذورهم وآثارهم» للدكتور«ظافر قدوري» بجامعة «ديالي» العراقية في فقرة تقول:

«ومن ذلك كله نستطيع القول إن معتقدات القتل تسللت من الشعوب الأخرى التي عبدت آلهة اشتهرت بالقتل وحبها لسفك دماء ضحاياها مثل «الدوال باي» وهم أقوام سكنوا الهند قديمًا وقد أشار الجاحظ إليهم بأنهم نتاج ما بين بعض النبات والحيوان وأنهم كانوا يتصيدون المسافرين ويتظاهرون بالعَرَج ويطلبون منهم أن يحملوهم معهم فإذا استجابوا؛ أعملوا فيهم الخنق»

الخناقون.. مصدر الصورة: sothebys.com والمكتبة البريطانية

جاء أول ذكر للخناقين أوThugees بالانجليزية ومن الهندية تاهغ – أي المستتر أو الخادع – في تاريخ الهند جاء في كتاب المؤرخ والمفكر الهندي المسلم «ضياء الدين بَرَني – Ziauddin Barani» المسمى «تاريخ فيروز شاه» الذي يحكي سيرة السلطان المسلم لإقليم «دلهي» «جلال الدين فيروز شاه» الذي أقام الدولة «الخَلْجية» بعد انهيار الدولة الغورية في الهند؛ وجاء ذكرهم في فقرة أوردها «برني» تقول إنه تم القبض على رجل ينتمي لطائفة من القّتلة الخناقين أوصلهم للقبض على ما يزيد عن الألف منهم ولكنه لم يقتل أيًا منهم وأمر بنفيهم إلى جنوب البلاد حيث أطلق سراحهم بعدما اعترفوا بأنفسهم أنهم مسلمون واختلفت المصادر وقتها في جذورهم إن كانت «إسلامية/عربية» أم «هندوسية» ولكن بدراسة الجذور العقائدية ثبت بعد ذلك أصل الرواية ونسبتها للهندوسية.

مصدر الصورة: موقع جامعة Columbia والمكتبة البريطانية

كالي والعُزّى.. الخنق مقابل الذبح!

الأقرب للمنطق كانت الرواية «الهندوسية» التي أرجعت القتل الطقسي بالخنق إلى الآلهة الهندوسية «كالي» التي تقول الرواية الميثولوجية الهندوسية عنها إنها إلهة الموت والدمار التي تدمر الشرور – وليس كما يشاع أنها تحب الموت والدمار – والتي كانت تخوض معركة ضد العِفريت الأسطوري «راكتابيجا» الذي أعطاه الـ«براهما» – سيد الآلهة الهندوسية – قدرات خارقة بأن يولد ثانية فور موته أقوى بألف مرة والذي لم تستطع «كالي» أن تهزمه؛ لأن كل قطرة من دمه تلمس الأرض كانت تلد «راكتابيجا» جديدًا ومستقلًا ولكنها نظرًا لقوتها ودهائها أخذت في فرد لسانها – كما تظهر في الرسومات – لتشرب كل الدماء الساقطة من جسد «راكتابيجا»؛ كي لا يولد منها مقاتلون جدد ومزقت من ثوبها الأصفر قطعًا من القماش – سميت القطعة «الرومال» واستخدمه الخناقون فيما بعد في كل خنق تقريبًا وباللون نفسه-  وأمرت الآلهة الأخرى أن يساعدوها في قتل العفريت خنقًا دون إراقة الدماء ومن ثَم جاء الطقس الذي يدعو للقتل ولكن دون أن يراق الدم.

رسم لمعركة كالي المصدر موقع : Pinterest

بينما ذكرت الدراسة التاريخية نفسها للدكتور«ظافر قدوري» مستعينة بمصادر قديمة أن العرب – حتى قبل الإسلام – عادة لم يقتلوا الناس أو الخصوم غدرًا مثلما الحال في الخنق:

لم تُشر الروايات التي بين أيدينا على الأقل إلى أن العرب عرفت عادة القتل خنقًا وربما يكون مرد هذا الأمر هو ما جُبل عليه العرب من الفروسية التي تتمسك بالقتال وجهًا لوجه ولا تُقر حتى ملاحقة الهارب فقد كان من عادة فرسان العرب قبل الإسلام أنهم إذا صادفوا خصمًا لهم يخاطبونه بالقول «خذ حذرك فإني قاتلك» وهو ما جاء موافقًا للأحاديث التي وردت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في عدم القتل غيلةً وغدرًا أو القتل بالخديعة وقرن ذلك الأمر بالإيمان في أحد أحاديثه «الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن».

ولتأكيد نسب الرواية للهندوس مقارنة بالعرب القدامى الذين عبدوا إلهة مؤنثة أيضًا «العُزى» ولكن الأمر اختلف في طقوس التقرّب وأصول المُعتقد حيث كانت القرابين تٌقدم إلى الآلهة العربية في شكل ذبح بالإشارة إلى ما جاء في المصادر التاريخية الواردة في الدراسة السابق الإشارة إليها:

«يبدو ان العزى هي الإلهة التي اقترن تاريخها بالقتل عند العرب قبل الإسلام إذ ذكرت الروايات أن المنذر بن ماء السماء كان يُعظمها وقدّم لها أربعمائة امرأة يحدّهن ضحايا بعد أن أسرهُنَّ في حروبه مع الغساسنة وكانت قريش فيما بعد قد وضعت للعزى مكانًا خاصًا ومنحرًا ينحرون فيه هداياها يقالُ لهُ الغبغب وكانوا يزورونها ويتقربون إليها بالذبح».

المنصورية الخناقون

ولكن بالطبع عندما ذاع صيت تلك الفرقة أدخلها الرواة والمؤرخون ضمن الفرق المُسلمة الذين كانوا كثرة في تلك الأزمان البعيدة وحتى أول ظهور مُسجل تاريخيًا لبعض الخناقين بعد انتشار الإسلام لأهداف تختلف وتحديدًا في أيام الدولة الأموية عندما نشطت طائفة سميت «المنصورية» أسسها أبو منصور العجلي عُرف عنها انتهاج القتل بالخنق كما ورد في دراسة «الخناقون جذورهم وآثارهم» للدكتور«ظافر قدوري»:

«وبعض الروايات تصر على أنهُ أول من استحدث ظاهرة القتل خنقًا وأجازها في حق المخالفين لأنهُ كان من أهل الكوفة ومن عبد القيس ولهُ فيها دار وكانت نشأته في البادية وكان أميًا لا يقرأ ولم يكن وجماعته ممن يعارضون حكم الدولة الأموية أمثال الشيعة والخوارج والمُغيرية الذين كانوا يستهدفون الرؤوس والقيادات البارزة هذا الأمر لم يكن شائعًا عند الخناقين إلا في النادر فهم لم يظهروا كمغتالي رؤوس السلطة وزعمائها وكلُ ما وصل إلينا يشير إلى ممارستهم الخنق وسرقة مال المخنوق كما جاء في (تاريخ الطبري) و(المِلل والنِحل) للشهرستاني».

من التقرب للآلهة إلى النهب والاغتيالات

بعد نفيهم بواسطة «جلال الدين فيروز شاه» عادت تلك الجماعات للظهور في الهند من خلال عمليات قتل ونهب للضحايا دون ترك أثر واحد لهم؛ حيث اعتادوا دفن ضحاياهم بعد خنقهم اعتادوا أن يتواجدوا دائمًا في شكل جماعات تتراوح ما بين عشرات إلى مئات وعرف عنهم التنوع فيما بينهم بالرغم من أصول المعتقد الهندوسي إلا أن بعضًا من طائفة «السيخ» ومسلمي الهند كانوا يضمون إليهم بهدف التربح الإجرامي وليس الديني؛ لأنهم كانوا بالطبع يسرقون ضحاياهم ويسلبونهم أمتعتهم بعد الانقضاض عليهم من قبل بعضهم – المعروف عنهم القوة – بينما ينشغل أفراد باقي الفرقة في صنع جلبة وضوضاء وأحيانًا الغناء؛ للتشويش على أصوات مقاومة وقتل الضحايا.

وعلى مر أكثر من 600 عام لم يستطيع أحد من الحُكام أو قوات الأمن والجند بمختلف أنظمة عملهم أن يضعوا نهاية لتلك الفرق التي كانت تكمن قوتها في سرّيتها وخفاء عملها وعدم ترابط أفرادها في الحياة العادية وحتى أن الفرق في مختلف الأماكن لم تكن تعرف بعضها البعض غالبًا إلا عن طريق إشارة سرية وهي «وشاح كالي» الأصفر.

بهرام أحد زعماء الخناقين المصدر: موقع Bodahub

ظل عدد ضحايا الخناقين مجهولًا للكثير من المصادر التي قدرت محصلة ضحاياهم بما يزيد عن مليون ونصف المليون ضحية ولكن في العام 1979 ذكرت موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية أن العدد التقريبي لضحايا الخناقين هو 2 مليون ضحية بحساب معدل 40 ألفًا شخص سنويًا بينما اختلف أستاذ التاريخ البريطاني «مايك داش» مع تلك الفرضية وقدّر عدد الضحايا بحوالي 50 ألفًا فقط بقياس تواجدهم في الهند قبل نهايتهم بحوالي 150 سنة فقط ولم يربط بينهم وبين جذورهم المذكورة في التاريخ.

النهاية؟

في بدايات القرن الـ 19 بعد أن اجتاح الاحتلال البريطاني أرجاء الهند وصلت إلى قيادات الحكم البريطاني أخبار الجرائم التي تمارسها طائفة الخناقين فقام الحاكم البريطاني السير«ويليام هنري سليمن» بإنشاء وحدة مرجعية بهدف البحث والتدوين لكل الجرائم التي نُسبت إلى الخناقين ومن ثم بدأ حملة أمنية وعسكرية للإيقاع بهم وجماعة إجرامية أخرى انتشرت في الهند وبورما – لم تكن بالقدر نفسه من الخطورة – سميت «داكويتي» وفي العام 1835 تحديدًا بدأت الحملة الشرسة وفي غضون 5 سنوات ألقت السلطات القبض على «بهرام» قائد الخناقين الذي اعترف بقتل ما يزيد على 125 شخص قتلهم بيده شخصيًا ونُسب إليه 800 ضحية أخرى لم يعترف بها.

البريطاني السير«ويليام هنري سليمان» المصدر: موقع geni

لكن الغريب في الأمر أنه عندما تم الإيقاع به أقر بجرائمه على الفور وأرشد السلطات عن باقى أفراد جماعته وأفراد جماعات أخرى ولم يحاول أن ينكر ذلك بل أقر هو والعديد من أفراد فرقته أن الإلهة «كالي» نفسها هي من أرادت الإيقاع بهم؛ لأنهم لم يقوموا بعملهم على الوجه الأكمل! ثم حوكم وأعدم شنقًا عام 1840؛ الحملة الأمنية استمرت حتى عام 1904 وأسفرت عن القبض على 1400 شخص من أفراد جماعة الخناقين على مدى 69 عامًا تراوحت عقوبتهم بين السجن والإعدام.

بالرغم من مرور أكثر من 150 عام على اختفاء جرائم الخنق من الهند يعتقد الكثير من الهنود حتى يومنا هذا أن جماعة الخناقين لم تنته تمامًا؛ بدليل أنها استمرت 6 قرون دون أن تختفي وأنها فقط في فترة ثُبات حتى إعادة إحيائها مرة أخرى من قبل أتباع «كالي» المخلصين.

المصدر : ساسة بوست