أزمة الفقر في البلد الأغنى

ليس غريبًا وجود الفقر في أي بلد من بلدان العالم فلا تكاد تخلو دولة منه على مر العصور لكن الغريب أن تكون نسبة الفقر هي الأعلى في البلدان الأغنى؛ والتي من المفترض أن تكون نسبة الفقر فيها من أدنى ما يكون؛ بسبب امتلاكها للثروات الطبيعية والموروث الحضاري والطاقات البشرية والموقع الجغرافي المهم وغيرها من المقومات ونحن بصدد الحديث عن خير شاهد على ما تقدم وهو العراق.

العراق البلد النفطي والزراعي والسياحي وصاحب الاحتياطي النفطي الثالث عالميًا والذي من المتوقع له صدارة الترتيب للدول المنتجة والمصدرة للنفط؛ ويصنف شعبه بأنه من أفقر الشعوب ووضعت الإحصائيات عاصمته بغداد في صدارة أسوأ المدن عيشًا.

تشير الإحصائيات من داخل وخارج العراق إلى وجود قرابة الخمسين بالمائة ممن يعانون الفقر أكثر من 35% يعيشون تحت خط الفقر والبقية يعانون من فقر نسبي والحلول لا زالت إما غائبة أو متعثرة.

إن توافر الخدمات الأساسية والبنية التحتية الضرورية والأمن والاستقرار للعيش في حياة كريمة بات حلمًا صعب المنال يطلبه العراقيون حتى في نشيدهم سائلين وطنهم «هل أراك سالمًا منعمًا وغانمًا مكرمًا؟» فلا يمر يومًا على العراقيين دون أزمة أمن أو دواء أو فقر.

أصبح العراقيون لا يجدون ما يشربونه بجوار الرافدين العذبين دجلة والفرات ومضطرون لشراء الماء الصالح للشرب الذي يأتي مستوردًا من إحدى دول الجوار والمليون نخلة لم يبقَ منها سوى القليل.

فالمشكلة مشخصة من قبل المواطن البسيط قبل الجهات الحكومية صاحبة المساعي الخجولة والدور الذي لا زال ضعيفًا أمام ازدياد نسبة الفقر في البلاد فالحلول تبدأ بعلاج الأسباب المتراكمة التي أدت إلى تدني الوضع المعيشي وكثرة البطالة وقلة دخل الفرد العراقي.

من أهم العوامل التي أدت إلى ضعف الاقتصاد العراقي؛ هي عدم الاستقرار السياسي والأمني والاعتماد على النفط وإهمال بقية القطاعات والموارد؛ إذ تشكل واردات النفط أكثر من 95% من الواردات العامة التي تكوّن الميزانية المالية والعملة الصعبة للبلاد إضافة إلى إهمال الصناعة المحلية والزراعة والاعتماد على المنتج المستورد؛ مما خلف جيوشًا من العاطلين عن العمل وتفشيًا للبطالة حتى بين أصحاب الشهادات الجامعية العليا وعموم الخريجين.

عدم الاستقرار الأمني للبلاد ومواجهة الإرهاب؛ صرفت الأنظار والجهود عن الاهتمام بجانب التنمية الاقتصادية بشكل كبير وإجراءات التقشف الأخيرة بسبب محاربة تنظيم داعش الإرهابي وهو خير شاهد. أما المساعي الحكومية للنهوض بالواقع وتقليل المعاناة المتمثلة ببعض وزارات الدولة ومؤسساتها مثل وزارة العمل والشئون الاجتماعية بمشاريع الحماية والتكافل الاجتماعي لا زالت ضعيفة وتعالج جزءًا يسيرًا من مشكلة كبيرة متفاقمة.

تبدأ الحلول من هرم السلطة ومصدر القرار والتشريع في الدولة وتنتهي عند المواطن لا العكس؛ وهذا يحتم على من يهمه الأمر السعي باتجاه الحل للمشكلة الاقتصادية في البلاد؛ من خلال رعاية القطاع الخاص وتشجيع المنتج المحلي وإحياء القطاع الزراعي والصناعات الوطنية؛ من أجل القضاء على البطالة التي تعد من أهم أسباب أزمة الفقر وتفعيل شبكة الحماية الاجتماعية؛ لتشمل فئات أكثر من المحتاجين ودعم القطاع الصحي وتجهيز مفردات البطاقة التموينية؛ ولا تتحقق هذه الحلول إلا بالقضاء على الفساد المالي والإداري الذي أضر بالبلاد أيّما ضرر؛ وهذا يتطلب أن يحسن الشعب باختيار من يمثله وينتخب الكفء النزيه بانتخابات مستقلة نزيهة.

المصدر : ساسة بوست