المتصوفون في سيناء.. «ذكر الله» تحت الحصار!

على مدار الخمس سنوات الأخيرة كان أتباع الطرق الصوفية بسيناء أكثر الفئات الواقعة تحت قمع وتهديد عناصر التنظيمات المُسلحة ممن حاصروهم في دعوتهم وجلساتهم حتى وصلت هذه التهديدات لذبح مشايخ واستهداف مساجدهم. يحاول التحقيق التالي توثيق وقائع حصار المتصوفين داخل سيناء في ظل تعرض مسجد يرتاده المتصوفون بمدينة العريش للتفجير الأسبوع الماضي لمعرفة كيف تحولت أنماط حياتهم في ظل التهديدات المستمرة من جانب التنظيمات التكفيرية خلال الخمسة أعوام الأخيرة.

في يناير (كانون الثاني) الماضي وصل ياسر الشمري 40 عامًا وعشرات من سُكان قرية الروضة بمنطقة بئر العبد شمالي سيناء رسائل تحذيرية عبر عناصر تتبع تنظيم «ولاية سيناء» تطالبهم بإلغاء حلقات الذكر في المنازل ومنع أي مظاهر صوفية داخل مسجد القرية وإغلاق زاوية تتبع الطريقة الجريرية الأحمدية الصوفية تُجاور المسجد.

في هذه الزاوية التي تقع على بعد أمتار من المسجد الذي جرى استهدافه مؤخرًا من جانب عناصر مُسلحة وخلف أكثر من 300 قتيل حسب البيانات الرسمية يتجمع محمد مع عشرات من أبناء القرية أسبوعيًا. يقيمون حلقات لذكر الله و«حضرات» صوفية وأدعية ومدائح نبوية ودروس تدعو للمحبة والتسامح بحضور بعض مشايخ القبائل.

Embed from Getty Images
لم تجد هذه الرسائل التحذيرية تجاوبًا لدى سكان القرية واكتفوا فقط بإغلاق الطرق الفرعية للقرية لمنع تسلل العناصر إليها بعد رصدهم فى المناطق الصحراوية التي توجد جنوب القرية على بعد كيلومترات وبعد أشهر معدودة من الرسائل التحذيرية استُهدف مسجد القرية في أكبر تفجير بسيناء من حيث عدد الضحايا كان من بينهم «ياسر» وخمسة من أبناء عمومته.

يحكي محمد همام أحد أبناء عمومته من قبيلة السواركة عن أحوال المتصوفة داخل سيناء قائلًا لـ«صحيفة كل أخبارك»: «التصوف كان السمة الغالبة لتدين سكان مُدن سيناء على مدار عشرات السنوات. توارثنا هذه السمات من مشايخ القبائل والأجداد ولعبت البيئة الاجتماعية القبلية المبنية على العلاقات الاجتماعية باعتبارها أحد أشكال حمايتنا دورًا في تعميق هذا النوع من التدين».

التصوف الذي يُشير إليه «همام» ليس المنتشر في احتفالات الموالد بمحافظات الوجه البحري أو التمسح بطريقة مخالفة لتعاليم الدين في نظر عموم شيوخ وفقهاء أهل السنة فهي: «تتماس مع عادات وتقاليد البدو من صفاء النفوس وجلسات ذكر مبنية على التقاليد البدوية التي تدعو لحسن الخُلق وطهارة القلب». يُلخص لك همام ذلك بلكنة بدوية قائلًا: «التصوف لدى أهل سيناء هو المحبة الحقيقية».

كانت جمعية «مجاهدي سيناء» إحدى الجمعيات الأهلية المُسلجة بوزارة التضامن الاجتماعي حاضنة للمتصوفين في سيناء وكان أغلبهم من المحاربين القدماء مثل الشيخ خلف الخلفات حسب مصدر قبلي في الرياشات المتمركزة في جنوبي مدينة الشيخ زويد الذي يستكمل لـ«لساسة بوست»: «سعى الشيخ خلفات بالتنسيق مع القوات المسلحة لتأسيس جمعية مجاهدى سيناء؛ في شكل تقدير معنوي لأدوارهم البطولية وحاضنة شبه حكومية للمتصوفة خصوصًا مع بدء التضييق عليهم من جانب المجموعات السلفية».

من جانبه يقول إسماعيل الخرافين شيخ قبائل سيناء في تصريحات خاصة لـ«صحيفة كل أخبارك»: «لم نكن نعهد في سيناء أفكارًا متطرفة كان التدين الغالب على أبناء القبائل هو ذلك التدين الممزوج بالمحبة والتصوف والتلاحم بين أفراد القبائل المتأصل بالعادات والتقاليد البدوية» مؤكدًا أن هذه الأفكار ليست وليدة البيئة السيناوية التي عاش أهلها قبل سنوات عديدة في سلام وأمان يمارسون تدينهم في محبة.

ويؤكد الخرافين الذي تعرض لمحاولة اغتيال من جانب هذه التنظيمات في سبتمبر (أيلول) 2013 أن ما يتعرض له المتصوفون في سيناء لا ينفصل عما يتعرض له كُل مخالف للأفكار التكفيرية أو لا يؤدي شروط الطاعة لهم موضحًا أن الشخصية السيناوية عصية على تغيير أفكارها بالإكراه حتى لو وصل الأمر لاستهدافهم كما وقع مع المتصوفين.

وحسب مصادر متطابقة استطلعت «صحيفة كل أخبارك» رأيها فإن رأس الحربة على هجوم المتصوفين منذ بداية الألفية الجديدة كان «خالد مساعد» طبيب الأسنان الذي ينتمي للمصادفة إلى قبيلة السواركة. درس خالد بكلية طب الأسنان بإحدى الجامعات الحكومية قبل أن يعود إلى مدينة سيناء وينشط في إحدى الجمعيات الأهلية الخيرية في مدينة العريش.

قضى خالد عقب عودته عامًا في السجن على خلفية موجة اعتقالات عشوائية طالت عددًا من أهالي سيناء قبل أن يخرج ويبدأ في تأسيس تنظيم «التوحيد والجهاد» مع اثنين من رفاقه رفقة عدد من المنتمين للتيار السلفي حسب المصدر القبلي الذي يُكمل أن هذا التنظيم بدأ في توزيع فتاوى دينية تحريضية على المتصوفين في كُل ربوع سيناء وتحذير جموع أهالي سيناء من تنظيم جلسات الذكر والحضرة.

في أغسطس (آب) 2005 تعرض خالد مساعد وعدد من قادة التنظيم للقتل وذلك في مواجهات مع قوات الجيش والشرطة حسب المصدر الذي يُكمل: «العناصر المتبقية بين تنظيمه توزعوا داخل نواحي قرى سيناء ومنهم من أسس تنظيمات جديدة وواصلوا مسيرته في عمليات استهداف المتصوفة التي أخذت تتطور تطورًا لافتًا من خلال اختطاف شيوخ القبائل باعتبارهم رهائن وذبحهم كوسيلة ردع لأتباعهم من الطرق الصوفية فضلًا عن تنفيذ عمليات استهداف كمائن الجيش والشرطة».

رحلة حصار «الصوفيين».. من ثورة 25 يناير إلى ولاية السيسي

وثق «صحيفة كل أخبارك» الوقائع التي تعرض لها أتباع الصوفية في سيناء على مدار الخمسة أعوام الأخيرة حيث جرى تفجير ضريح الشيخ زويد فى مقابر المدينة لثلاثة مرات خلال عامي 2011 و2012 وذلك باستخدام العبوات الناسفة والتي أدت إلى تهشم المحيط الخارجي للضريح.

وفي عام 2013 تعرضت قرية الروضة إلى تفجير ضريحين لشيوخ الصوفية فى مقابرها في يوليو (تموز) وذلك باستخدام العبوات الناسفة تلاها بشهر كامل وقوع تفجير داخل قرية مزار المجاورة للروضة استهدف ضريحي «شميعة وصبيحة» بواسطة عناصر مسلحة تتبع تنظيم «بيت المقدس» والضريحان لسيدتين الأولى تدعى «شميعة» والأخرى تدعى «صبيحة» وتنتميان لقبيلة السواركة

Embed from Getty Images
وأطلت من جديد الهجمات على الصوفية فى أغسطس (آب) 2013 حيث فُجر ضريح الشيخ سليم أبو جرير بقرية مزار غرب العريش وضريح الشيخ حميد بمنطقة المغارة وسط سيناء بواسطة عبوات ناسفة أتت على غرفة الضريح والقبر الذي بداخله وهدمت أجزاء من قبور مجاورة.

وفي 2016 تحولت استراتيجية التنظيمات التكفيرية تجاه المتصوفة من تفجير الأضرحة لاختطاف رموز المتصوفة حيث جرى اختطاف 4 من رموز الصوفية في قرى شيبانه والظهير جنوب الشيخ زويد ورفح قبل تحريرهم بعدما تعهدوا بإغلاق الزوايا الصوفية ومنع إقامة جلسات الذكر وعادت من جديد هذه الهجمة باختطاف تنظيم «داعش» للشيخ سليمان أبو حراز أحد رموز الصوفية البالغ من العمر 98 عامًا قبل ذبحه ونشر صور الحادث على مواقع الإنترنت وتعرض للخطف شيخ آخر هو أقطيفان المنصوري وجرى قتله.

اقرأ أيضًا: «لا حماية لأحد».. التعاون مع الجيش التهمة التي تذبح عليها «ولاية سيناء»

«سليمان أبو حراز» و«خلف الخلفات».. حصن المتصوفة الأخير في سيناء بعد 25 يناير

بعد ثورة 25 يناير نشطت عناصر التنظيمات التكفيرية والمجموعات المحسوبة على تيار السلفية الجهادية في مناطق تتباين جغرافيتها داخل سيناء حسب شهادات جمعها «صحيفة كل أخبارك» إذ شكلت المتصوفة والأضرحة أهدافًا رئيسية لهذه التنظيمات التي تدرج هذه الأهداف بحسب مرجعيتها الفكرية في نطاق «الشرك» و«الخروج عن تعاليم الإسلام».

وسط تراجع القبضة الأمنية لقوات الجيش والشرطة آنذاك بمنطقة سيناء ونشاط العمليات التكفيرية تجاه تمركزات المتصوفة شكلا «سليمان أبوحراز» و«خلف الخلفات» حصنًا وملاذًا لتجمعات المتصوفة من خلال تنظيم صفوفهم لحماية الأضرحة وثقل مركزهم الاجتماعي داخل المجتمع القبلي وذلك حسب شهادة أحد أعضاء قبيلة السواركة بسيناء.

ولسليمان أبو حراز أتباع ومريدين كُثر يتوزعون داخل مُدن وربوع سيناء حيث اعتادوا زيارته على مدار السنوات الماضية في منزله؛ لطلب النصح والإرشاد وذاعت شهرته وسط أبناء القبائل بصفته أحد أولياء الله الصالحين.

ينتمي سليمان لقبيلة السواركة وهي واحدة من كُبرى القبائل في سيناء التي يغلب على تدين أفرادها الطابع الصوفي ويتوزعون داخل عدد من مُدن العريش وأقام بمنطقة المزرعة في جنوب العريش اشتهرت بوفود عشرات المتصوفة لحضور مجالسه.

وتعرض أبو حراز لعدد من التهديدات من منتمين للتيارات السلفية الجهادية والدعوية بسيناء ممن حذروه من أفكاره الدينية بينما قابل هذه التهديدات بتكثيف دعوته وزيادة مجالسه دون استسلام لها حتى تعرض لحادث اختطاف من منزله بمنطقة جنوب مدينة العريش في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 وذلك تحت تهديد الأسلحة النارية حيث جرى اقتياده إلى جهة غير معلومة بواسطة عناصر تكفيرية يُرجح انتماؤها لتنظيم بيت المقدس قبل أن يُفرج عنه بعد ثلاثة أيام.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 تعرض أبو حراز الذي قارب آنذاك المائة عام من عمره للاختطاف مرة ثانية من جانب عناصر محسوبة على تنظيم داعش ونفذ عناصر تابعين للتنظيم جريمة قتل بحقه ونشر التنظيم فيديو يظهر إعدامه ذبحًا.

أما خلف الخلفات فهو أحد مجاهدي سيناء تجاه الاحتلال الإسرائيلي ورمز من رموز قبيلة السواركة بشمال سيناء ممن ذاع شهرتهم باعتباره واحدًا من رموز المتصوفة داخل سيناء حيث أسس زاوية «الجورة» بالشيخ زويد والتي تحولت لمركز رئيسي للتعلم وقراءة الكُتب وملتقى لجمع أبناء سيناء وحل مشاكلهم وتبرع الشيخ خلف بقطعة من أرض ورثها عن والده لتأسيس هذه الزاوية التي ألحقها بمسجد وقاعة للجلوس يستقبل فيها زوار الزواية من كافة القبائل ومدرسة لتعليم الأطفال القراءة والكتابة ومكتب لتحفيظ القرآن وتعليم أصول الفقه والعبادات وأحكامها.

وكانت زاوية الجورة هي حاضنة أحباء الشيخ من كافة مُدن سيناء ينتظمون في حلقات ذكر وأدعية صوفية ويلتقون بالشيخ قبل وفاته يسمع منهم شكواهم ويُذكر بذكر الله وصفاء النفوس والدفاع عن القرى تجاه التكفيريين وكان الشيخ خلف شيخًا للطريقة العلاوية الشاذلية التي تلتقي في زاويته حريصًا كذلك على مواصلة الدعوة إلى الله ونشر الطريقة والحفاظ على أماكن الذكر والمذاكرة ورعاية الزوايا من أن تندثر بسبب ما يدور حولها من أحداث وتهديدات.

حسب رواية أحد أبناء عمومته فالشيخ كان مجاهدًا وشجاعًا وكريمًا وزعيمًا صادقًا أمينًا وفيًا ومصلحًا اجتماعيًا ويقول: «الشيخ من مواليد عام 1930 فى منطقة الجورة والمسماة قديمًا جورة السواركة وظل حتى أيامه الأخيرة حصن الدفاع الأخير للمتصوفة في سيناء من هجمات التنظيمات التكفيرية».

ولعب الشيخ خلف الخلفات الذي توفي قبل عام ونصف دورًا رئيسيًا في دعم القوات المسلحة في انتصار أكتوبر 1973 وشكل فرقًا فدائية مع أبناء مشايخ القبائل آنذاك بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية المصرية وطالب أهالي سيناء بالتمسك بأراضيهم وعدم تركها ومثل الشيخ خلف خلفات حصنًا للمتصوفين في سيناء؛ حيث كان قناة الاتصال الدائمة مع قيادات القوات المسلحة لحمايتهم.

المصدر : ساسة بوست