«فورين أفيرز»: هل للحكومة يد في نهضة المافيا في تركيا؟

نشرت «فورين أفيرز» تقريرًا يسلط الضوء على الجريمة المنظمة في تركيا وارتباطها بمسؤولين حكوميين ما يعزز احتمال تواطؤ الدولة التركية. يأتي التقرير بعنوان «هل تتحول تركيا إلى دولة مافيا؟» ويكتبه ريان جينجراس الكاتب والباحث في شؤون #الشرق_الأوسط وتركيا على وجه التحديد وكان قد صدر له من قبل كتاب «الهيروين والجريمة المنظمة في نشأة تركيا الحديثة».

ويستهل الكاتب بمحاكمة أحد المقربين لأردوغان في الولايات المتحدة بداية الأسبوع الماضي والتي اتُهم فيها رجل الأعمال التركي الإيراني رضا زراب بإدارة مخطط «النفط مقابل الذهب» المعقَّد لتجاوز العقوبات المفروضة على #إيران بمساعدة أقارب الحكومة التركية وشركائها. كان زراب قد قبض عليه في مارس (آذار) عام 2016 وهو يقضي إجازته في مدينة ميامي وأفرج عنه بعد فترة قصيرة من بدء إجراءات المحاكمة. ظهر زراب مجددًا في جلسة هذا الأسبوع؛ لكن على منصة الشهود مدعيًا أنه قدم رشوة لوزير الاقتصاد التركي ضمن عمليته للالتفاف حول العقوبات.

قد تورِّط القضية في مجملها الرئيس التركي وتضعه في موقف حرج بينما يرد أردوغان بانتقاد الولايات المتحدة لوقوعها ضحية مخطط دقيق لإطاحة الحكومة التركية كما يصرّ أن المتهم الحقيقي لهذا المخطط هو فتح الله كولن وهو الزعيم الروحي لحركة «حزمت» أو «الجولنيين» والذي اتهمه أردوغان فيما قبل بتدبير محاولة الانقلاب العسكري عام 2016 ويعيش كولن حاليًا في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.

احتفال  أنصار أردوغان بفشل الانقلاب ضده في يوليو (تموز ) عام 2016.

يضيف الكاتب أن قضية زراب لم تكن الوحيدة في ظل ارتفاع موجة جديدة من الجريمة المنظمة في تركيا. فقد شهدت البلاد في العشر سنوات الماضية ارتفاعًا كبيرًا في معدلات التجارة غير الشرعية والتهريب ويرجع السبب -جزئيًّا- إلى اشتعال الحرب الأهلية في سوريا عام 2011 وإلى تدهور الوضع الداخلي في العراق وصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 2014. تسبب انعدام الاستقرار في تفشي نشاطات التهريب على الحدود الجنوبية لتركيا فطبقًا لبيانات إدارة مكافحة التهريب والجريمة المنظمة -المسؤول الرئيسي عن مكافحة المخدرات في البلاد- أجهِضت 800 عملية لتهريب الوقود عام 2009 في حين وصل العدد إلى 5 آلاف في 2014. كما احتجز في نفس العام 8 آلاف شخص بتهم تتعلق بتهريب الهيروين وهو ما يعادل ضعفي المتهمين في 2009 و5 أضعاف المتهمين في 2001.

ترتبط هذه الموجة بأردوغان وإدارته أيضًا بحسب الكاتب فلم يبرز أي حل لهذه القضية ولم تؤخذ هذه التحديات بجدية كافية. ظل مسؤولو الحكومة صامتين تجاه عمليات التهريب أغلب الوقت وقاومت أنقرة الضغوط الدولية لإغلاق الحدود مع سوريا رغم دخول عدد كبير من المقاتلين الأجانب إليها عن طريق تركيا. بدأت الحكومة في إنشاء جدار حدودي بطول 900 كيلومتر على الحدود السورية فقط عندما شرعت في غزو الأراضي السورية في أغسطس (آب) عام 2016. وبعد الضعوط الدولية المتزايدة بخصوص الأنشطة غير الشرعية وعمليات تهريب الوقود بين مناطق تحكمها «الدولة الإسلامية» وتركيا قامت الحكومة بحملة اعتقالات ومصادرات تضمنت 100 طن من الوقود المهرب في مارس من هذا العام.

لكن الحكومة التركية ليست متهمة بالتراخي فقط ويبدو أنها ضالعة في النشاط الإجرامي كما يقول الكاتب. من أقوى المؤشرات على ذلك كانت محاكمة رضا زراب في ديسمبر (كانون الأول) عام 2013 في تركيا؛ إذ ألقي القبض على زراب وأبناء أربعة من الوزراء البارزين من حزب العدالة والتنمية ووجهت لهم اتهامات بتهريب الممنوعات وغسيل الأموال والرشوة. كان أردوغان -رئيس الوزراء وقتها- قد شارك في تأسيس الحزب عام 2001 وكان مقربًا من هؤلاء الوزراء. ورغم أن التحقيقات تسببت في استقالة عدة وزراء من حزبه هاجم أردوغان مسؤولي إدارة مكافحة التهريب والإدارات الأخرى بدعوى أنهم ساهموا في «الانقلاب القضائي» ضده كما هاجم كولن ووصف التحقيقات بأنها انتقام من أنصار كولن الكثيرين في تركيا بعدما انتقد أردوغان حركتهم في بداية ذلك الخريف. بعدما أصبح أردوغان رئيسًا وتحديدًا في يناير (كانون الثاني) من عام 2014 فصل ونقل الآلاف من الشرطيين والموظفين الآخرين في إدارة مكافحة التهريب. وبعدها بشهر أفرَج عن زراب وأغلقت قضيته تمامًا.

ظهر مؤشر آخر مقلق في أبريل (نيسان) 2015 عندما رفعت الحكومة التركية القيود المفروضة على العملات الأجنبية التي يسمح للمسافرين دخول البلاد بها في خطوة تبدو أنها لتشجيع الاستثمار الأجنبي. أثارت الخطوة مخاوف مؤسسات رقابية دولية مثل مجموعة العمل المالي (فاتف) والتي لطالما ضغطت على تركيا لتشديد قوانين مكافحة غسيل الأموال. كما أن وزارة الخارجية الأمريكية قد أصدرت تقريرًا في مارس 2016 حول شفافية الموظفين والمحاكم التركية المسؤولين عن مراقبة القطاع المالي في البلاد ووصفت آليات مكافحة غسيل الأموال في البلاد بالضعيفة وأنها ينقصها العديد من الأدوات والخبرات الضرورية لمكافحة تمويل الإرهاب بشكل فعال. قبل إصدار هذا التقرير بشهر كان الإدعاء الإيطالي قد بدأ التحقيق في شبهة غسيل الأموال التي طالت بلال ابن الرئيس التركي الأكبر. ورغم إسقاط التهم وتوقف التحقيق لاحقًا إلا أن المشاكل القانونية التي واجهها بلال أردوغان كانت تشبه الاتهامات الرسمية التي طاردت زملاء أبيه.sedat-peker-recep-tayyip-erdogan.png

<img src=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/sedat-peker-recep-tayyip-erdogan.png” data-attachment=”189595″>

صورة أردوغان مع سادات بكر أحد المتهمين في قضايا سابقة تتعلق بالجريمة المنظمة. المصدر: موقع Ne Oldu

يقول الكاتب إن الرأي العام اشتعل بعد هذه الأحداث؛ لكنه خمد سريعًا بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016 وما تبعها من حملات تطهير واعتقالات. وتناول الجزء الأكبر من الإعلام التركي والكثيرون من العامة اتهامات الرشوة والفساد في 2013 بتوجس نتيجة إصرار أردوغان -الذي أتى فورًا وبإيمان شديد- على ضلوع كولن في الانقلاب. كما أدت اتهامات الدولة لجهاز مكافحة التهريب باشتراكه في الانقلاب إلى افتراض العامة أن التحقيقات الجنائية كانت محاولات مدبرة من قبل موظفي كولن لإضعاف الحكومة التركية. وعلى خلفية هذه الادعاءات نقض قاض تركي أحكامًا سابقة على زعيم المافيا سيئ السمعة سادات بكر وكانت سياسات بكر اليمينية قد قربته سريعًا إلى دائرة أردوغان. وفي فترة لاحقة نشرت الصحف اليومية المناصرة للحكومة صورًا لأردوغان وهو يعانق بكر في زفاف أحد المعلقين السياسيين المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية. ورسمت هذه الصور وصور مشابهة انطباعًا كبيرًا عند العامة بأن تركيا تتحول إلى دولة مافيا فعليًّا.

يضيف الكاتب أنه بدلًا من محاربة الجريمة الحقيقة اتجه المسؤولون الأتراك وحلفاؤهم في الإعلام إلى تصوير منظمة فتح الله كولن على أنها أحد اللاعبين الأساسيين في الجريمة المنظمة في البلاد الآن. قام أردوغان باعتقال الآلاف من الموظفين في جهاز مكافحة التهريب وأجهزة أخرى أو فصلهم لإنفاذ القانون. أما من بقي منهم فكلفوا بمطاردة أتباع كولن وحلفائهم المزعومين. وطبقًا لإحصاءات الجهاز فقد كان 78% من المعتقلين بتهم الفساد أو التربح أعضاءً مزعومين في منظمة كولن. وفي نفس الوقت تشير إحصاءات أخرى في نفس العام إلى انخفاض شديد في مكافحة أشكال الجريمة المنظمة التقليدية. قد يفسر هذا الانخفاض أن أجهزة إنفاذ القانون التركية قد أعيد بناؤها سريعًا بعد محاولة الانقلاب في 2016؛ وشمل ذلك تخفيض المتطلبات التعليمية للمتقدمين لكي تملأ المناصب الشاغرة في الأجهزة الأمنية. تولى الشرطيون الجدد مناصبهم دون اختبارات أو تدريبات مناسبة ما أثار الشكوك حول كفاءة الضباط المعينين في جهاز مكافحة التهريب وغسيل الأموال وفي الشرطة المحلية. ويقول أحد الضباط السابقين: «نتيجة لحملات التطهير صدمت الأجهزة الأمنية في تركيا وأحبطت بشكل كبير. فقدت ذاكرتها وخبرتها وقدرات أخرى عديدة».

مرت قوات الأمن التركية بتغيرات جذرية بعد انقلاب 2016 الفاشل.

يصف الكاتب ما يحدث بالهبوط المستمر إلى هوة انعدام القانون والذي تفرض عواقبه نبرة تشاؤمية عند التفكير في دور الجريمة المنظمة في تاريخ البلاد القريب. إذ إن موقع تركيا الجغرافي جعلها دائمًا محطة في طريق البضائع المهربة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وغالبًا ما سيشجع الانخفاض المتزايد في حكم القانون في البلاد عمليات التهريب إلى أوروبا وإلى الولايات المتحدة ما سيزيد من أعمال المخدرات والأسلحة والأموال غير الشرعية والمهاجرين أيضًا. كما أن العلاقة شديدة السوء بين بروكسل وأنقرة قد تؤدي إلى تراجع التعاون والتنسيق في هذه الأمور الأمنية. ومع الأخذ في الاعتبار تهديدات أردوغان المستمرة بإغراق أوروبا باللاجئين عبر حدود تركيا فيبدو أن الساسة الأوروبيين لا يملكون الكثير ليضغطوا على الزعماء الأتراك من أجل التعامل بجدية مع مشاكل الجريمة المنظمة.

أما عن علاقتها بالولايات المتحدة فيقول الكاتب إن تركيا كانت تعتبر شريكًا أساسيًّا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في وقت من الأوقات لكن يبدو أن هذا أصبح ماضيًا. فبعد الخلافات العميقة حول الخيارات السياسية في سوريا من المحتمل أن تكون العلاقات الأمريكية التركية في أسوأ حالاتها منذ عقود. وفي ظل تراجع عدد حلفاء أردوغان قد يستمر هو وحزبه في وصف أي ملاحظات أمريكية بأنها هدامة وغير مرغوب بها. ربما لا تملك بروكسل أو واشنطن ما قد يقدماه لتقليل الفجوة المتزايدة بينهما وبين أنقرة ولذا فعلى رجال السياسة الغربيين التصرف بناء على هذا. وبدلًا من تعليق آمالهم على تعاون مستقبلي فربما من الأفضل أن يخططوا لعزل وحماية الولايات المتحدة وحلفائها من المخاطر المحتملة التي يجلبها فساد الدولة التركية المتزايد.

المصدر : ساسة بوست