سلسلة «حقبة من تاريخ الكرد» ج(1)

هذه السلسلة ستكون من أجزاء عديدة حول التاريخ الكردي المعاصر والحديث لن أسعى للإحاطة بكل الأحداث والأزمان ولكن سأسعى لأن أوصل صورة وافية أو مختصرة عن تاريخ الكرد وسأعتمد بشكل أساسي في هذه السلسلة على كتاب (الحركة الكردية المعاصرة – علي عثمان) و( دراسات وثائقية في تأريخ الكرد الحديث وحضارتهم – عماد عبدالسلام رؤوف).

لنشرع في الجزء الأول من السلسلة والتي ربما تكون كمقدمة للأجزاء التالية التي ستكون أكثر كثافة في الأحداث الأسماء والتواريخ:

الكرد في الصراع الروسي-العثماني

إن الكرد قد أدوا دورا مهما في الصراع الذي دار بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية في القرن التاسع عشر ويبدو أنه بينما كانت روسيا والدولة العثمانية تودان ضم الكرد إلى جانبهما كان الكرد يحاولون استغلال الصراع لإعادة استقلال إماراتهم التي أنهاها السلطان العثماني محمود الثاني في النصف الأول من القرن التاسع عشر. أيضا لا ننسى دور بريطانيا المؤيد للدولة العثمانية في الصراع الأخير مع روسيا وفي جهود العثمانيين لقمع الانتفاضة الكردية وفيما يلي – من أجزاء أو أقسام – سنتكلم عن دور الكرد في الحروب الروسية-العثمانية لا سيما حروب الأعوام 1827-1828 وحرب القرم 1854 وحرب 1878-1887.

الصراع الروسي-البريطاني داخل الدولة العثمانية

إن الصراع الروسي-البريطاني اشتد في بداية القرن التاسع عشر في #الشرق_الأوسط فروسيا بتحقيقها تلك المكاسب في حروبها مع #إيران والدولة العثمانية أثارت شك بريطانيا وظنت أن روسيا تطمع في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج الفارسي أو العربي. ظنت بريطانيا هذا التوسع الروسي باتجاه الجنوب تهديدا لمصالحها في الخليج وتصورت بريطانيا أن هذا التوسع هدفه ربما السيطرة على الممر المائي الاستراتيجي المؤدي إلى المستعمرة المهمة في شبه القارة الهندية.

وهنا نتذكر أن #إيران كانت قد هزمت أمام روسيا واضرت في اتفاقية كلستان 1813 أن تتخلى عن مناطق در بند وقرباغ وشيروان وباكو وداغستان وأبخازيا وأيضا اتفاقية تركمنجاي 1828 بعد الحرب الروسية-الإيرانية عززت مكاسب روسيا في القفقاس وأضافت إليها مناطق يريفان ونخجفان.

أما مكاسب روسيا في الدولة العثمانية قد تكون أكثر أهمية من ما حققته في #إيران فبعد هزيمة القوات العثمانية أمام قوات محمدعلي باشا في #مصر 1848-1805 (التي أدت إلى سقوط معظم الولايات الشرقية في الأناضول ووقوعها بيد محمدعلي باشا) شعر السلطان العثماني أن عرشه مهدد في اسطنبول فاضطر إلى توقيع اتفاقية أنكيار أسكلسي 1833 ثم أصبحت الدولة العثمانية بموجبها بمثابة محمية روسية وكانت لهذه الاتفاقية تأثير ضخم في تأجيج الصراع البريطاني-الروسي من أجل النفوذ داخل الدولة العثمانية لذلك تحول رئيس الوزراء البريطاني بالمسترون والسفير الانجليزي ستافورد كانينغ لدى الدولة العثمانية إلى ألد الخصوم للروس.

المجتمع الكردي في القرن التاسع عشر

كانت كردستان مسرحا لمعظم حروب الصراع العثماني-الروسي لذا فهذه الجغرافية السياسية مكنت الكرد من أن يؤدوا دورا مهما في هذا الصراع. لذلك فمن المهم تحديد المناطق الكردية داخل الدولة العثمانية.

هناك مصطلحان عند الباحثين الغربيين لوصف المناطق الكردية في الدولة العثمانية أرمينية أو كردستان.

مصطلح أرمينية ربما كان أكثر استخداما قبل الحرب العالمية الأولى فكانت تستخدم أرمينية للإشارة إلى مناطق الأغلبية الكردية في ولايات أناضول الشرقية وبالتحديد (ولاية وان وبتليس ومعمورة العزيز وأرضروم وسيفاس ودياربكر).

أما مصطلح كردستان كان يستخدم للإشارة إلى ولاية وان وديار بكر وفي جنوب شرق أناضول ولاية الموصل(شمال العراق) ولكن بعدها كونت الدولة العثمانية ولاية سميت بـ (كردستان) فشملت معظم الولايات ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرق أناضول (كردستان تركيا). وكردستان تشمل أيضا المنطقة الممتدة بين جبال طوروس الممتدة من أدنة إلى الحدود التركية الإيرانية غرب بحيرة أورمية ومعظم النواحي الواقعة في شرق أرضروم تسكنها غالبة كردية وأخيرا تكوّن بلاد الكرد أيضا شريطا ضيقا داخل جمهورية أذربيجان وأرمينيا لامتداد الحدود التركية بين هاتين الدولتين. فنستنتج من هذا العرض أن هذا الموقع الجغرافي للكرد إذ هم يسكنون معظم الحدود التركية الإيرانية والتركية الروسية أعطاهم أهمية سياسية في صراع العثمانيين مع روسيا وإيران.

إن الحكم العثماني في كردستان بين القرنين السادس عشر والثامن عشر كان ممتازا بوجود الإمارات الكردية المستقلة فكان الكرد يحكمون إماراتهم حكما مستقلا ويديرون شؤونهم الداخلية وبطريقة وراثية.

 ولكن ضمن خطة الإصلاحات وبتأثير مستشاريه الغربيين قام السلطان محمود الثاني بالقضاء على تلك الإمارات ثم وضع إدارة مركزية عثمانية مكانها وكان معظم عناصرها من الموظفين الترك وأيضا ساهمت التنظيمات (الإصلاحات على الطراز الغربي) التي طبقت في الدولة العثمانية في 1839-1876 في تثبيت مركزية الدولة والقضاء على سلطة القيادة الكردية التقليدية.

ولكن هذا الوضع ولّد فراغا أمنيا لأن الموظفون الترك والجندرمة (قوة الشرطة العثمانية) لم يتمكنوا من حكم المنطقة الكردية حكما سليما بسبب الفساد المتفشي بينهم وجهلهم سياسيا وإداريا بالواقع الكردي.

فكثرت حوادث النهب والسلب والمعارك بين القبائل وبين الكرد والأرمن الذين كانوا يسيطرون على جزء كبير من تجارة المنطقة الكردية. وأيضا زاد في تلك الفترة ظلم طبقة الآغاوات (رؤساء العشائر) واستغلالهم للفلاحين وعامة الناس.

ولم يكن أمام عامة الكرد من ملجأ في هذه الظروف إلا أن يلجأوا إلى شيوخ الطرق الصوفية المنتشرة انتشارا كبيرا في تلك الفترة بالمنطقة وبالتحديد طريقتي النقشبندية والقادرية. وبذلك بدأ الشيوخ يمارسون نفوذا سياسيا فأصبحت التكايا (مراكز الدعوة الصوفية) تؤدي دورا مركزيا في حياة الكرد. ولكون شيوخ الطرق الصوفية كانوا يدافعون عن مصالح الفلاحين ويحاولون الحد من استغلال الآغوات واستبدادهم ولكونهم كانوا يدافعون أيضا عن مصالح الفلاحين عند الحكومة العثمانية والإدارة الكردية في المنطقة التي كانت تحاول فرض ضرائب على الفلاحين وتفرض الخدمة الإلزامية بالقوة أصبح مشايخ الطرق الصوفية محط أنظار الكرد ولهذه الأسباب أصبحت التكايا تؤدي دورا مهما قويا في حياة الكرد.

إن هذا العرض المختصر للمجتمع الكردي في القرن التاسع عشر يبين لنا حقيقتين أساسيتين:

1- أنه كان عامة الكرد وخاصة قيادتها التقليدية كانوا غير راضين عن الحكم العثماني وذلك لقيام الدولة العثمانية بالقضاء على النظام القديم الذي كان سائدا لقرون عديدة في كردستان وأيضا لفرضها بالقوة على الكرد إدارة تركية غير كفوءة وغير نزيهة.
2- انتشار الظلم وفقدان الأمن بسبب ضعف الإدارة العثمانية (الموظفون الترك والشرطة التركية) أو آغوات الكرد هيأت الأرضية الصالحة لظهور الطرق الصوفية وتحكمها بالمجتمع واعتبارها ملاذا وطمأنينة من قبل الكرد.

وكان لهذين العاملين دور كبير في التأثير على الموقف الكردي أثناء صراع الدولة العثمانية مع روسيا وسنبين ذلك في الأجزاء القادمة.

المصدر : ساسة بوست