رفض الترجمة عن العبرية وهاجم أمريكا..محطات في حياة الشايب

الغرب حوّل بعض المثقفين العرب إلى “حواة”
استقال من “القومي للترجمة” ووصفه بالعزبة!
أمريكا تقود حملة لـ”عولمة” الثقافة وتضييع الهويات

“الترجمة لابد أن تبدأ بهذا السؤال: ماذا أترجم.. ومن أجل ماذا؟ أنا الذي أحدد ماذا نترجم من العالم.أترجم ما أحتاجه ولا أترجم ما يملي علي للترويج لأفكار بعينها قد تتفق معي وقد لا تتفق.. أو تصب في غير مصلحتي أو لخدمة أجندات أخرى”

هكذا كان يردد المترجم القدير طلعت الشايب الذي رحل عن عالمنا مساء أمس ليؤكد أنه صاحب مشروع فكري متميز.

ولد الراحل عام 1942 ترجم عددًا كبيرًا من الأعمال؛ منها: “الحرب الباردة الثقافية وفكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي وصدام الحضارات ونحو فهم للعولمة الثقافية”.

والترجمة كما يراها الشايب ليست ترجمة حرفية وحسب بل إن الترجمة تذوق وهي كذلك إبداع موازٍ لعملية التأليف. “صحيفة كل أخبارك” يتوقف عند أبرز مواقف وآراء الراحل بخصوص الترجمة.

ضعف الترجمة العربية

كان الراحل يرى أن هناك اكثر من سبب لحالة تردي الترجمة في الوطن العربي يأتي على رأسها عدم اهتمام المؤسسات العربية بهذه العملية باعتبار ان الترجمة تمثل جسرا للتواصل ونقل المعارف وهو ما أدى الى ضعف الاستثمار الثقافي في الترجمة وبالتالي نجد ان هناك غيابا في الميزانيات والمخصصات الموجهة اليها.

كما أن هناك ترديا وتدهورا في مستوى تعليم اللغات بصفة عامة على الرغم من كثرة عدد المعاهد التعليمية في عالما العربي وبالتالي نجد ان هناك ندرة في المترجمين الاكفاء المحترفين.

كما يمكن القول بأن هناك غيابا في عمليات التنسيق بين المؤسسات المعنية من الدول العربية وبالطبع فهذا الغياب يؤدي الى تفتيت الجهود وضياع الوقت والجهد وبالتالي يكون امرا عاديا ان نجد كتابا واحدا قد تمت ترجمته أكثر من مرة ويكون نتيجة ذلك اهمال كتب اخرى كثيرة مهمة.

أقولها بصراحة – هكذا يعلن الراحل - المستوى رديء ومتدن والسبب أن معظم المترجمين حتى وإن كانت اجادتهم للغات الاجنبية التي يترجمون عنها ممتازة الا انهم لا يجيدون اللغة العربية بالحدّ المعقول وهكذا نجد الترجمة تأتي ضعيفة وذلك بخلاف الارضية الثقافية الضعيفة وبالتالي يمكن ان يترجم مواد لا يفهمها وليس على دراية او علم بها.

ولا يمكن ابدا أن يقتصر الأمر على مجرد أن يكون المترجم قاموسا بل يحتاج الى أدوات اخرى؛ على رأسها الموسوعات ودوائر المعرفة والثقافة العامة بصرف النظر عن الموضوع الذي يتم ترجمته.

لا للتطبيع

كان الشايب يرفض الترجمة عن العبرية فيقول: أنا ضد التطبيع مع اسرائيل فعلاقتها بكل من حولها علاقة غير طبيعية وكافة المؤسسات الثقافية ملتزمون بعدم التطبيع مع اسرائيل وبالتالي يمكن ان تتم الترجمة للكتب الصادرة عن ناشر اجنبي ولكن تبقى الصعوبة اذا كان الناشر هي الجامعة العبرية او احدى دور النشر الاسرائيلية وبالتالي يكون السؤال كيف نسدد لها حقوقها بالإضافة إلى ضرورة توفر الدقة المطلوبة عند اختيار الكتب العبرية قبل ترجمتها بما يخدم ولا يخل بالتوجه الثقافي لنا.

مشروعه الفكري

الترجمة برأي الشايب ليست نقلا لأفكار الآخرين بل هي جسر بين الثقافات والمترجم عنصر آخر مضاف إلى المبدع صاحب العمل الأصلي فكلاهما حامل لثقافة مختلفة الترجمة اذن عملية مثاقفة بغرض إحداث شكل جديد من العمل الأدبي والفكري يحمل كما ينبغي أفضل ما في الثقافتين.

يقول: بدأت الترجمة نتيجة القراءة وأثناء القراءة اكتشف أو أرى أن هذا العمل جدير بالترجمة لأسباب تتعلق بالعمل الموضوع قيمة المؤلف وأسباب تتعلق بي شخصيا وهي شعور بأنني أستطيع أن أترجم هذا العمل تحديدا ترجمة جيدة فاذا كان اختيار المرء قطعة من عقله فإن كل الأعمال التي ترجمتها باستثناء كتاب واحد صدام الحضارات هي من اختياري بعد قراءتها ترجمتها وقدمتها للناشرين ووافقوا عليها فكتاب حدود حرية التعبير تجربة كتاب القصة والرواية في عهدي عبدالناصر والسادات موضوع تجربة لم يتعرض لها ناقد عربي بينما تصدت له باحثة سويدية وكان موضوع رسالتها للدكتواره وموضوع الكتاب هو حرية التعبير والقوانين المنظمة للنشر والرقابة الرسمية والذاتية ووسائل القمع والحظر والسجن مع دراسات حالة لأهم الأعمال التي صدرت في اطار هذه التجربة على مدى ثلاثين عاما, اذن فالموضوع السياسي والاجتماعي الثقافي هو الذي فرض نفسه في اختيار هذا الكتاب للترجمة.

أنا مثلا أترجم عن الانجليزية والروسية معرفتي بالعربية تفوق الى حد كبير لا يقارن بمعرفتي باللغتين المذكورتين اقرأ النص الأجنبي وأغوص في لغتي للبحث عن أفضل ما يؤدي المعنى وما يعبر عما قرأته, مثلا من ضمن مصادر تكوني الأساسية في اللغة العربية قبل كتب التراث: القرآن الكريم الذي أقلب صفحاته أحيانا من أجل الاستمتاع بعبقرية هذه اللغة لدرجة انني بشكل عفوي أجد عبارات تتسلل الى داخل النص الأدبي الذي أترجمه من مخزوني من قراءتي للقرآن, في رواية الحرير أكثر من عبارة بالانجليزية لم أجد أعمق ولا أجمل من العبارات التالية للتعبير عنها قضى الأمر أو عندما تنفس الصباح وهذه العبارة بالانجليزية لو ترجمناها ترجمة حرفية ستكون مع انقضاء الليل وبزوغ ضوء النهار .

هناك كتابات ترجمتها لن تضيف لنا شيئا وهناك كتابات لا تستحق الترجمة لأنها أحيانا تكون ضارة أو حاملة لأفكار أو مبادىء مناقضة لمبادئنا وأفكارنا وفي هذه الحالة لابد من التعقيب والتفنيد وغرض الترجمة هنا يكون فقط من أجل معرفة أفكار الآخرين في موضوع معين وليس بغرض التنسيق أو الافادة من الفكر الانساني الذي يتخطى اللغات والجنسيات والحدود السياسية وفي هذه الحالة أيضا يجب أن يكون النشر في الحدود التي تحقق هذا الهدف.

في مشروعي الخاص بالترجمة والذي جاء نتيجة للجديد في كتابات العالم شرقا وغربا ترجمت رواية لكاتب هندي اسمه شيف كومار وروايتين من ايطاليا هما الحرير لاليساندرو باريكو ورواية اتبعي قلبك لسوزانا تامارو, ورواية للالماني هاينرش بول هي الملاك الصامت وأخيرا مختارات من الخرافة الصينية.

أسباب الاستقالة

استقال الراحل من منصبه كمساعد لرئيس المركز القومى للترجمة وعن أسباب ذلك ذكر في أحد حواراته: #مصر كانت عزبة كبيرة يديرها حسنى مبارك وحاشيته ووزارة الثقافة كانت عزبة من بين هذه “العزب” وكل مؤسسة من مؤسساتها هى عزبة أيضا وكل فى موقعه كان يدير هذا المكان الثقافى على مزاجه بدون رقيب أو محاسبة وكانت هذه القيادات فى هذه الأماكن حتى بعد ثورة 25 يناير ولم تتغير بدليل أن السياسة لم تزل مستمرة ولم يصلها ثورة ميدان التحرير.

وكان جابر عصفور لا يقبل المناقشة وكان مثل صاحب العزبة كلامه نهائى وكان حريصا على وضع وترشيح أتباع له فى كل المراكز الثقافية يدينون له بالولاء ويتعاملون معه معاملة التلميذ للأستاذ.

من ضمن المشكلات الكبيرة التي رآها في المركز كما يقول: الاهتمام بالكم على حساب الكيف فكانت هناك رغبة فى إصدار ألف كتاب أو ألفين كتاب أو ثلاثة آلاف كتاب لإرضاء وزير الثقافة وإرضاء الهانم والتساهل فى مستوى الترجمة أحيانا والمجاملات فى اختيار عناوين كتب غير مهمة والاستسهال فى طبع طبعات ثانية من كتب لم تبع منها نسخة.

الحرب الثقافية الباردة

من واقع ترجماته يقول الشايب: بعد الحرب العالمية الثانية وخروج الحلفاء من الحرب منتصرين وبروز الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كقوتين منتصرتين بدأت حرب أيديولوجية باردة هذه الحرب الباردة كانت لها أسلحتها وهي الكتب والمعارض والجوائز والمتاحف والأعمال الفنية وترجمة الكتب وسائر الوسائل الثقافية التي أصبحنا نسمع عنها في أوائل القرن العشرين تحت مسمي “القوي الناعمة” وكل معسكر من المعسكرين أخرج ترسانة القوى الثقافية الجديدة وبدأت الحرب الباردة من الطرفين ودخلت في مجال الآداب والفنون وبدأ التبشير من خلال الأفلام والمعارض للنموذج الأمريكي أو أسلوب الحياة الأمريكي والذي كان من الصعب التبشير به عن طريق القوة العسكرية المباشرة فتم إسناد هذه المهمة لوكالة المخابرات الأمريكية.

وكانت الفكرة أن تقوم بأعمال سرية للتحضير للقرن الأمريكي الجديد وبالفعل بعد انفراد الولايات المتحدة بالصورة أصبحت هي الشرطي الوحيد واختفاء الخطر الأحمر كان لابد من البحث عن عدو ووجدوه في الخطر الأخضر الذي هو الإسلام والأصولية الإسلامية.

ويهاجم الراحل فكرة “الاستشراق الأمريكي” في الكتاب الذي يحمل نفس العنوان وقام الشايب بترجمته قائلاً: هو مختلف عن الاستشراق الروسي والاستشراق الأوروبي عموما لأن هذين كنت تجد فيهما العلماء والمطابع والخرائط كان هناك جانب ثقافي حتى ولو يخفي أهدافا أخرى لكن هذا الاستشراق الأمريكي كان واضحا وصريحا ويستند إلي ثلاثة أعمدة رئيسية أولها: العلاقة الخاصة بإسرائيل وثانيها: المصالح الأمريكية وثالثها: ربط المنطقة بالسياسة الخارجية الأمريكية هذه هي العمد الثلاثة للاستشراق الأمريكي.

وما كان لأمريكا أن تحقق ما حققته اليوم من الانفراد بالسيطرة علي العالم لولا سعيها الحثيث منذ الحرب العالمية الثانية للتبشير بالنموذج الأمريكي والذي ساعدت عليه ظروف متعددة أهمها سقوط الاتحاد السوفيتي.

يتابع: الحرب الثقافية الباردة وسيلة للتبشير بهذا القرن الأمريكي القادم وسيلة لوضع الأرضية الثقافية للأفكار الأمريكية الآن عندما تنظر في الشرق والغرب ستجد النموذج الأمريكي لأن ما لاينتبه له الناس أن العولمة تعني فرض النموذج الأمريكي أو أمركة العالم ولذلك ستجد مفكرين حاولوا الدفاع عن خصوصية مجتمعاتهم ورفعوا شعار أن التحديث لا يعني الأمركة أن تكون حديثا ليس بالضرورة معناه أن تكون أمريكيا والتنمية لا تعني أن تستورد كتالوجا جاهزا ولكن التنمية أن تنمي ما هو موجود بالفعل.

وحول نفس الفكرة يقول في أحد اللقاءات معه: لدي كتاب آخر ضمن هذا المشروع اسمه “الآداب والفنون تحت ضغط العولمة” وهو يسوق نماذج تدلل علي أن فرض نموذج ثقافي واحد يقضي على الهويات حيث يذهب المؤلف إلى قرية من قرى المكسيك ويرى أن عمال النسيج اليدوي هناك بدلا من أنهم كانوا يرسمون علي السجاد رسوما من حضارة المكسيك القديمة والفن البدائي العادي وجد أن التجار الأوروبيين يأتون ومعهم رسومات لبيكاسو أو دالي أو أي فنان آخر ويطلب من العمال أن يرسموها علي السجاد.

ويسأل المؤلف العامل: ما الذي ترسمه؟ فيقول له: لا أعرف ولكن أرسمها لأنهم يشترونها في أوروبا بسعر مناسب موجة العولمة تكتسح العالم.

وهناك مثل آخر من الهند حيث كان نموذج الجمال للمرأة الهندية هو المرأة السمينة وعندما تأثروا بالسينما الأمريكية ونموذج باربي وبأن المرأة الجميلة هي المرأة النحيفة بدأت عمليات التخسيس وانتشرت أمراض القلب وأمراض نقص التغذية هذه المحاكاة والتقليد سواء برغبة منك أو بفرض من الآخر يؤدي إلى تضييع الهويات.

هناك حرب ثقافية من الغرب –هكذا كان يؤكد الراحل - وهناك أيضا حرب ثقافية عربية - عربية هناك حرب ثقافية ولكن بشكل ناعم مثل محاولات تغيير الهوية ومحاولات التدخل في نظم التعليم ومحاولات احتواء البعثات للغرب ومحاولات احتواء المفكرين والعلماء وتصدير نماذج معينة ومحاولات تصدير نماذج معينة للترجمة.

وسنلاحظ أن الغرب لايختار من الأدب العربي للترجمة إلا العجائبي والغرائبي لدرجة أنه ينجح أحيانا في تحويل بعض الكتاب والمثقفين إلى “حواة” يكتبون بالأسلوب الذي يعلمون أنه يرضي الغرب من أجل الترجمة ولا أريد أن أعطي أمثلة ولكن عندما أكتب رواية خصيصا من أجل أن تترجم فأنا أحول شعبي وأحول بلدي إلي فرجة تماما مثلما يأتي رجل أجنبي ويقف أمام بائع الخبز أو الحاوي بانبهار وهنا أتحول لفنان أو مثقف أو فنان تحت الطلب وهناك حرب ثقافية باردة بين الدول العربية وبعضها للجلوس علي مكان أكثر دفئا على “حجر” الولايات المتحدة الأمريكية.

المصدر : محيط