لوحات وتماثيل بملايين الدولارات.. «لماذا أصبح الفن الحديث بهذا القبح»؟

ليس هناك نقص في عدد الناس الذين سوف يقولون لك: كيف أن الفن الحديث أصبح أشبه – بالنسبة إليهم – بالقمامة فقد ذكرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية – على سبيل المثال – كيف أنه من الصعب إقناع «مجلس لندن» بأن كومة متنوعة من الأشياء المنزلية المهملة تحمل ميزة فنية.

يوم 15 أبريل (نيسان) 2015 قام مجلس كامدن – وهو المجلس البلدي والسلطة المحلية لمدينة لندن الكبرى – بإزالة «المجسم» الغريب على طريق رئيس بالقرب من محطة بلزيزي بارك معتبرًا إياه عملية تبديد سيئة وكان هذا المجسم عبارة عن عملية تكديس لمقاعد السيارات وعربات التسوق وأثاث الحدائق وكتل خشبية طويلة وكرسي طاولة فوق دراجة ثلاثية العجلات خاصة بالأطفال. يمكنك مشاهدة الصورة:

الغريب في الأمر أن بعض السكان المحليين مغرمون بهذا العمل الذي وصفوه بأنه متنامٍ ومتوازن ولكن المجلس اعتبر ذلك مصدر إزعاج وقام بإزالة كل الأشياء عدا الدراجة ثلاثية العجلات المربوطة بقفل حديدي ومع ذلك رفض صاحب هذا المجسم المجهول التوقف عن إضافة أشياء جديدة إليه مع أحدث الإضافات إلى هذا «العمل الفني» التي تمثلت في رف تجفيف واثنين من أنابيب المزراب السوداء وضعت في شكل (X).

هذا مثال عملي حدث بالفعل يوضح إلى أين ذهبت درجة الخلاف الكبيرة حول طبيعة الفن الحديث وما يمكن أن يطلق عليه فنًا بالفعل.

وهذا مثال آخر فبالرغم من مرور 29 سنة على وفاته فإن لوحات باسكيات الفنية ما زالت تلفت أنظار الحاضرين في المزادات والتي كان آخرها لوحة «Untitled» في مزاد بمدينة مانهاتن في ولاية نيويورك الأمريكية والتي بيعت لجامع التحف ورجل الأعمال الياباني يوساكو مايزاوا.

وبحسب دار «سوذبي» العالمية للمزادات فإن بيع اللوحة تم بسعر قياسي بالنسبة للفنان باسكيات الذي توفي عام 1988 نتيجة جرعة زائدة من المخدرات عن عمر يناهز الـ27 عامًا كما أنه يعد سعرًا قياسيًا لفنان أمريكي والذي بلغ 110.5 مليون دولار.

اللوحة الفنية التي تعكس وجهًا على شكل جمجمة ستُعرض في متحف مشتريها مايزاوا بمدينة تشيبا في اليابان.

— Yusaku Maezawa 前澤友作 (@yousuck2020)

هل هذا الأمر طبيعي بالفعل؟ هل يمكن أن نعتبر مثل هذه الأمور فنًا؟ أم أن المشكلة تتعلق بتغير المعايير وعدم تطورنا معها ومجاراتها؟ أم أن الأمر يتعلق بعدم وجود معايير من الأساس؟

فن أم قمامة؟

تساءلت صحيفة «إكسبريس» البريطانية عما سيرويه رواة التاريخ في المستقبل عندما يتحدثون عن حاضرنا ويخبرون الأطفال أن هناك من كان يدفع الملايين في لوحات وتماثيل أطلق عليها اسم الفن الحديث في القرن الواحد والعشرين ووصفت الصحيفة هذه التسمية – الفن الحديث – بالمضحكة فهي لا ترى في الكثير من هذه الأعمال سوى خردة أو نقوش طائشة.

وبحسب الصحيفة فهذا الذي يقولون عنه عبقري وتقصد الفنان داميان هيرست عومل كما لو أنه امبراطور عندما قام ببناء تمثاله الوحشي لامرأة حبلى نصف مبتورة على الواجهة البحرية في مدينة إلفراكومب الإنجليزية. وعلى الرغم من أن عالم الفن يعبد أقدام هيرست بحسب الصحيفة إلا أنه حين طلب من صبي في التاسعة من عمره الحكم على العمل الفني «الرائع» قال ببساطة «إنها وقحة قليلًا غريبة بعض الشيء».

الصحيفة ذكرت أننا يمكن أن نطلق على هذا التمثال أوصافًا مثل: وقح وغريب وعجيب لكن وصف الفن هو أبعد ما يكون عن الحقيقة في رأيها «هذه مجرد وسيلة للتعبير عن الانغماس الذاتي وتضخيم الأنا بالإضافة إلى المبالغة في تقدير الجودة والتقدير المالي» على حد تعبيرها.

وتساءلت لماذا نسمح بتمثال برونزي يبلغ طوله 67 قدمًا لامرأة حبلى مشوهة لتلويث الواجهة البحرية في هذه المدينة؟ نفس الأمر ينطبق على تمثال الملاك العملاق مع أجنحة ممدودة الذي يهيمن على أفق الرؤية في جنوب مدينة غاتشيلد الإنجليزية أو حورية البحر ذات الأذرع الأربعة «البشعة» خارج بلدة كومبرنولد الأسكتلندية؟

وذكرت الصحيفة أنه إذا كنت أنا أو أنت من أتينا بهذه الرؤية الفنية للمنحوتات ربما كنا جلسنا لنضحك عما أنتجته أيدينا لفترة طويلة. والفرق هو أن «فيريتي» تمثال السيدة الحبلى هو من صناعة داميان هيرست الذي «قد أو قد لا يعرف الكثير عن الفن ولكن من يدري بالتأكيد عن كيفية تشجيع الحمقى الأغنياء له بكثير من أموالهم» طبقًا لوصف بعض الصحف البريطانية.

ملاك الشمال هو عمل آخر من قبل أنتوني غورملي وهو فنان آخر أعماله تصل إلى أسعار باهظة جدًا وهو يصف معناه بالتالي: «هل من الممكن صناعة عمل له هدف في وقت يتطلب الشك؟ أردت أن أصنع كائنًا من شأنه أن يكون بؤرة أمل في وقت مؤلم من الانتقال لشعب الشمال الشرقي مهجور في الفجوة بين العصر الصناعي والمعلوماتي».

كان ملاكه هذا يطالب بتأكيد بالشكوك حسنًا يبدو أن واحدة من أهم هذه الشكوك هي: «هل كان هذا التمثال يستحق حقًا المال الذي دفع فيه؟» وبالنظر إلى ما يقارب حوالي 600 ألف جنيه إسترليني دفعت في هذا التمثال يبدو هذا الشك معقولًا جدًا.

ما الذي تغير؟

نحن نعرف أعمالًا فنية شهيرة رائعة بالفعل مثل الموناليزا وتمثال بييتا ولوحة العشاء الأخير وتمثال المفكر وغيرها. فعلى مدى الكثير من القرون زود الفنانون المجتمعات الغربية بأعمال ذات روعة وجمال لا يختلف عليها أحد من ليوناردو إلى رامبراندت وبيرشتادت شاهدنا أعمالًا فنية ارتقت بأحاسيسنا ومنحتنا عمقًا واضحًا في المشاعر فبماذا تميزت أعمال هؤلاء العباقرة؟

تميز هؤلاء بأنهم ألزموا أنفسهم بأعلى معايير البراعة ثم عبر التحسين المستمر على الأجيال التي سبقتهم من كبار الفنانين واستمرار تطلعهم واستلهامهم أعلى جودة ممكنة. استمر الوضع بهذه الصورة حتى القرن العشرين الذي شهد حدوث أمر ما غير واقع الفن تمامًا.

يقول الفنان الشهير روبرت فلورزاك: إن ما حدث هو عملية استبدال بما هو عميق وملهم وجميل الجديد والمختلف والقبيح فاليوم نجد أن الأشياء السخيفة وفارغة المعنى والأشياء التي تحمل إساءات واضحة يجري اعتبارها أفضل أشكال الفن الحديث.

وضرب لنا فلورزاك مثالًا على عملية الاستبدال هذه مايكل أنجلو نحت تمثاله «داود» من صخرة لكن متحف «لوس أنجلوس كاونتي» للفن عرض فقط صخرة بلا ملامح مميزة تزن 340 طن واعتبرها عملًا فنيًا فكيف حدث هذا؟ كيف أن عملية صعود على مدار ألف عام باتجاه التميز والرقي والبحث عن الجمال يمكن أن تخمد وتتلاشى بهذه الصورة الغريبة؟

يشرح فلورزاك الأمر قائلًا: إن عملية البحث عن الجمال هذه لم تخمد كما نظن بل جرى تنحيتها. في بداية القرن التاسع عشر ثارت مجموعة تسمى «الانطباعيين» ضد أكاديمية الفنون الجميلة الفرنسية وضد مطالبتها بالمعايير الكلاسيكية لا يهمنا هنا البحث عن نواياهم لكن مثل هذه المجموعات الحداثية قامت بوضع أسس جديدة تمامًا في الفن هي «نسبية الجمال».

هذه النظرية أو الأسس الجديدة تخبرنا أن الجمال هو جمال في عين الناظر. هل تعرفون المثل المصري الشهير «القرد في عين أمه غزال»؟ نفس الفكرة هنا قد ينظر البعض إلى شيء ويرونه جميلًا وينظر آخرون له ويرونه قبيحًا. قد يهيم شخص عشقًا بجمال امرأة ما بينما يتعجب آخرون من هذا الجمال الذي يراه فيها.

اليوم نلاحظ أن الجميع يحبون الانطباعيين وكي نكون أكثر إنصافًا فمثل جميع الثورات نلاحظ أن الجيل الأول من هؤلاء أنتج بالفعل أعمالًا رائعة ومميزة مثل مونيه ورينوار فهؤلاء كانوا لا يزالون يحتفظون بعناصر التصميم والتنفيذ المنضبط.

لكن مع كل جيل جديد وبحسب فلورزاك بدأت هذه العناصر والمعايير تنخفض حتى وصلنا إلى مرحلة لا يوجد بها أي معايير وما تبقى لنا فقط هو ما يطلق عليه «التعبير الشخصي» لكن هذا الأمر خطير بالفعل فقد ذكر المؤرخ الفني الكبير جايكوب روزنبيرغ أن «قيمة الفن ليست مجرد مسألة رأي شخصي ولكنها أمر يمكن إلى درجة عالية أن نتقصاها بموضوعية».

مقاومة المعايير

الآن فكرة وجود معايير عالمية لجودة الفن أصبحت تقابل بمقاومة شديدة بل تحول الأمر إلى سخرية شبه مطلقة منها حتى تساءل البعض «كيف يمكن للفن أن يقاس بموضوعية؟».

المعايير العالمية قدمت لنا فنًا مذهلًا مثل الموناليزا لكن النسبية بحسب رصد الكثير من النقاد قدمت لنا لوحة للعذراء مريم المقدسة مصنوعة من روث البقر بجانب العديد من اللوحات والمجسمات الإباحية دون معنى ما ويمكنك أن ترى تمثال «بترا» وهو لشرطية جالسة القرفصاء لتتبول ويتساءل ها هنا العديد من الناس: أية قيمة تقدمها لنا مثل هذه الأعمال؟

القاعدة في هذا الشأن واضحة مثلها مثل أي فن أو علم بدون معايير جمالية لا يوجد لدينا طريقة لتحديد الجودة من عدمها. لكن السؤال هنا: من الذي يحدد الجودة؟

هل تشاهد الجمباز الإيقاعي؟ من الذي يحكم على المتسابقات ومدى جودة رقصهم؟ بالتأكيد خبراء يمكنهم التمييز بسهولة بين قفزة استعراضية وبين متسابقة تلقي بنفسها أرضًا على ظهرها وتطالب بأن يتم اعتبار قفزتها هذه ذات قيمة مثلها مثل بقية المتسابقات. هنا لا بد لنا من الاعتراف بالخبرات الاحترافية والاعتماد عليها.

هناك نقطة أخرى هامة الموضوع لا يتعلق فقط بانحسار وضياع المعايير بل يصل إلى طبيعة محتوى الموضوع نفسه الذي تحول مع مرور الوقت من المحتوى السامي ذي القيمة إلى المحتوى التافه في نظر العديد من النقاد الفنيين. في السابق كان الفنانون يستلهمون من التاريخ والأدب والأساطير للتعبير لكن الآن أصبح الفن وسيلة لإلقاء بيان ما معتمدين فيه على قوة الصدمة فقط لاغير.

يجب أن يكون الإدلاء ببيان ما عبر لوحة أو تمثال فني أو إرسال رسالة معينة ليس على حساب الجودة البصرية لأعمالهم فأين هو الشيء الرائع في مشاهدة شخص يتبول؟ هكذا يسأل العديد من النقاد ولا يجدون إجابة.

المجتمع الفني

فلورزاك يحمل هنا المسؤولية ليس للفنان وحده بل للمجتمع الفني أيضًا. هذه النظرية نراها كثيرًا في بلادنا العربية حينما نلاحظ أن أحد الأفلام الهابطة أو السيئة حصلت على أعلى دخل في شباك التذاكر فنقول إن السبب هنا هو المجتمع الذي أقبل على هذا النوع من الأفلام.

ويشمل المجتمع الفني رؤساء المتاحف وملاك المعارض الفنية والنقاد فهؤلاء كلهم يشجعون هذه النوعية من الفنانين ويدعمونهم ماديًا لإنتاج هذا الشكل للفن. هم الذين يروجون للأشياء المثيرة للاشمئزاز ويقولون عنها إنها ذات معنى مميز.

أحد هؤلاء بالطبع بالنسبة لفلورزاك هم أصحاب الملايين الذين يشترون لوحات تافهة بمئات الملايين من الدولارات معتقدين أنهم اشتروا فنًا.

الحل هنا من وجهة نظر فلورزاك ربما يأتي في عدم استسلامنا لهذا النوع من الفن بشكل محسوس عبر عدم المساعدة على ترويجه أو المشاركة في الفعاليات الخاصة به. هذا بالتأكيد سيؤثر على أصحاب المعارض وغيرها فهم في النهاية رجال أعمال يبحثون عن الأرباح.

المصدر : ساسة بوست