الطفل 44.. اختلاط الإنسانية بالديكتاتورية

بداية (الحفاظ على المبادئ والقناعات ربما يكلفك حياتك).

الطفل 44 هو فيلم أمريكي من إنتاج العام 2015 للكاتب توم سميث سيناريو ريتشارد برايس إخراج دانيال أسبينوزا من بطولة توم هاردي وغاري أولدمان ونومي رابيس تدور أحداث هذا الفيلم خلال ثلاثينيات القرن الماضي في خضم الحقبة التي حكم فيها ستالين الاتحاد السوفيتي عندما قرر أحد الضباط الأوفياء جدًا لحكم ستالين بالتحقيق في سلسلة جرائم قتل بحق الأطفال والتي ليس من المفترض حدوثها في بلد كالاتحاد السوفيتي آنذاك.

ساعتان و17 دقيقة تجعلك تعيشُ حالةً من التخبط العاطفي ممزوجًا بازدواجية المشاعر والمبادئ عندها تقف حائرًا تسألُ نفسكَ كيفَ للحبِ والخوفِ أن يجتمعا كيفَ من المُمكنِ للمواقف النبيلة أن تضعك أمام خياراتٍ صعبةٍ أحلاها النفي والاستعباد وآخرها التعذيبُ والموت بالرصاص كيف تُجْبِرُكَ تبعيتكَ العمياء لنظام الحكم الديكتاتوري بأن تكون أنت الحكم والخصم بين الوفاء اللامتناهي للسلطة والمبادئ الإنسانية الشريفة.

بغض النظر عن الفكرة النبيلة التي يتحدث عنها الفيلم وهي التحقيق والكشف عن قاتل مهووس يتتبع الأطفال في محطات القطار يغويهم ببعض الحلوى أو الطوابع ومن ثم يقتلهم بطريقة محترفة للغاية الفيلم أيضًا يسلط الضوء على ماهية النظام الديكتاتوري من الداخل وكيفية تسيير الأمور المتعلقة بأمن الوطن وتحويلها دائمًا مؤامرة خارجية تحاك ضد الحكومة الفيلم هو صورة مجردة ومختصرة للديكتاتورية التي سيطرت بها الأقلية المستبدة على الحكم في الاتحاد السوفيتي والتي ما زالت مستمرة بشكل أو بآخر حتى يومنا هذا في كثير من أنظمة الحكم الديكتاتورية ولا سيما الدول العربية.

كيف يمكن للحب أن يولد من الخوف والمعاناة

ليس فقط شعور الاطمئنان هو ما يولّد الحب فالخوف أحيانًا كذلك يجعلنا نحب من لا نريد أن نحبهم ربما لأن المعاناة واحدة وربما لأن الظلم صفة مشتركة تجمع القوي الذي يظن نفسه قويًا مع الضعيف الذي يحاول استجماع نقاط قوته من بين مخالب حكم لا يعرف الرحمة.

هكذا نشأت قصة الحب في هذا الفيلم البطلة نومي رابيس شعرت بالخوف من السلطة الأمنية المتحكمة بالبلاد والعباد عندما لحق بها بطل الفيلم توم هاردي في محطة القطار في هذه البلدان بمجرد أن يلحق بك عنصر أمني أو حتى يرمقك بنظرة مختلفة يتولد لديك الشعور بالخوف وبأنك ستكون مذنبًا في جميع الأحوال عندما سألها عن اسمها أعطته اسمًا آخر ليس بقصد إغرائه ولا حتى مغازلته كان شعور الخوف هو الذي أجبرها على فعل ذلك وهو بنفس الوقت ظن أنها تحبه لأنه لا يشعر بهالة الخوف التي تنتشر من الزي الأمني الذي يرتديه طلب منها الزواج فوافقت لأنها خائفة ليس لأنها تريده شريكًا لحياتها بقية العمر لكنه أصبح كذلك بكل بساطة نحن البشر لدينا قدرة فظيعة على التأقلم مع الحزن والخوف ربما هي نعمة من الله تلهمنا الصبر لكي نعيش هذا الدهر بحلوه ومره بالخوف الصارخ في أنفسنا بالحب الكامن بين أضلعنا استطعنا أن نعيش في الحياة بطريقة تختلف عن كل المجتمعات المتحضرة لقد وجدنا صيغة معينة تمكننا من العيش مع الكره باعتباره حبًا ومع الألم وكأنه شعورٌ بالسعادة لا ينتهي ومع الظلم وكأنه قانون يجب الاحتكام به ومع الاستبداد وكأنه الحل الوحيد لحماية الدولة من الأعداء الوهميين ومع الكذب وكأنه قوت يومي يجعلنا نستمر في قطار الحياة ومع الفساد والرشوة وكأنها الطريقة الوحيدة لكي ننجز مهام حياتنا اليومية.

هفوة صغيرة كفيلة بتدمير حياة طفل

يقدم الفيلم في بدايته حالة منفصلة وقصيرة عن شخص تلاحقه السلطات الأمنية بتهمة التجسس بعد عملية القبض عليه يقوم أحد الضباط بإطلاق النار على أصحاب المنزل الأب والأم اللذين كانا يؤويان هذا المتهم فيرديهما قتلى أمام ناظري بناتهما الصغيرات بذريعة أن يكونا درسًا لمن أراد خيانة الوطن والدولة هنا يقوم بطل الفيلم بتأنيب هذا الضابط ويهدده بالقتل إن فعلها مجددًا لكن ما الذي سيعيد لهاتين الطفلتين أبويهما بالطبع لا شيء وستستمر حياتهما بكل بساطة في ميتم للأطفال من دون رعاية تذكر والله يعلم ما كان سيكون لولا أن البطل وزوجته يقومان بتبني هاتين الطفلتين في النهاية.

حياة الأشخاص مرهونة برضا النظام الديكتاتوري عليهم وليس العكس ففي الدول المتحضرة تكون حياة النظام بالكامل مرهونة لخدمة المواطن والحفاظ على إنسانيته وحقوقه بالدرجة الأولى فكيف يمكن لنظام لا يفكر بما سيمكن أن تؤول له الأمور بعد مقتل هذين الأبوين أمام أطفالهم كيف يمكن له أن يبني مستقبلًا مزهرًا للبلاد المستقبل سيبقى دائمًا مرهونًا بالخوف متمسكًا بالقليل القليل لكي يبقى على قيد الحياة وليس منفتحًا على طرق الإبداع والتميز لأنها ببساطة ربما تشكل سببًا بمقتله لأنها تتعارض مع سياسة الحكم الديكتاتوري.

الأمان الوظيفي على حساب الجودة والتطور

حلقة أخرى من حلقات فساد الحكم الديكتاتوري يسلط الكاتب عليها الضوء وهي أن الأمان الوظيفي له أولوية قبل مهام الوظيفة نفسها كيف ممكن أن يجهض المدير كافة قدرات موظفه خوفًا من يظهر بمظهر الكسول أمام السلطات العليا إذا فالحقيقة لن تكون مطلوبة والتطور والإبداع في العمل يصبح بشكل أو بآخر نوع من الخطر الذي يقع على المدير بسبب موظفه المجتهد رد الفعل الطبيعي أن يقوم المدير بتدبير مصيدة لهذا الموظف ليحبط قدراته أو ليطرده من وظيفته بدل العمل معه ومشاركة قدراته لتحسين إمكانيات مؤسسات الدولة على النهوض والارتقاء بالوطن وحده هذا السبب كفيل بأن تستشري البطالة المبطنة في كافة دوائر الدولة وكل موظف جديد يصبح لديه لائحة من القيود التي يجب عليه اتباعها خوفًا من أن يطرد من عمله أو ربما يقتل بتهمة خيانة الوطن.

أنت دائمًا مذنب وعليك الهرب فورًا

في حوار هزلي بين الجاسوس المفترض وبطل الفيلم وهو الضابط المحقق يقوم بسؤال المتهم لماذا هرب أمام الجنود طالما أنه ليس مخطئًا فيرد عليه المتهم بأن نظامكم جعلنا نعلم أن كل شخص تلاحقه جنودكم بالتأكيد سيكون مذنبًا ويضيف أن المحقق هو من عليه أن يخبر المتهم ما هي تهمته هذه الحالة من انعدام الأمان في إجراءات التحقيق وعمليات التعذيب الممنهجة تفرض نوعًا من الذل في حياة كل شخص يقيم على أرض يحكمها نظام ديكتاتوري أنت محظوظ فهذا يعني أن النظام لا يلاحقك هل من المعقول أن تصبح حياة الفرد وتحركاته مرهونة بأن لا تلاحقه الأجهزة الأمنية حرية التعبير والكلام هي السلاح الذي يقتل فيه المواطن نفسه في تلك البلدان إذا لم يستطع الإنسان التكلم بحرية وإبداء رأيه فكيف سوف ينهض بمجتمعه؟ الفكرة معقدة جدًا لأن هذا الحكم الديكتاتوري يجبر الناس على التفكير فقط بمعيشة اليوم وملذة اليوم وسكينة اليوم فيصبحون على يوم آخر مثل الذي قبله عديمي التفكير وطالبين للمتعة والأمان فقط هذا الذي يفسر لماذا نحن العرب لا نأخذ من الغرب إلا المتعة والفساد فنحن أجبرنا على ذلك للحفاظ على ما تبقى لنا من أيام في الحياة بأمر من هذا النظام الغاشم.

عندما يشعر الديكتاتور أنك تشكل خطرًا على حكمه سوف يحاربك ومن دون شك بأعز ما تملك.

عندما تسرق الإنسانية لا يمكن لأي بديل مخدر أن يسد الثغر الحاصل في حشايا الروح.

عندما يتمسك الإنسان بمبادئه يجب عليه أن يعلم أنه سيخوض حربًا ليس مع الحكام وأتباعهم فقط وإنما مع نفسه أولًا.

نهاية.. (الأخلاق والمبادئ لا يمكن أبدًا أن تتجزأ)

المصدر : ساسة بوست