صناعة الطيران في العالم العربي

تعد صناعة الطيران العربية حديثة نسبياً بالمقارنة مع نظيرتها الغربية لكن هذا لا يعني أبداً أن الأصغر سناً لا يستطيع مقارعة الأعرق منه.

 

الحكاية بدأت في خمسينات القرن الماضي حين اكتشف النفط وبدأ استخراجه في معظم دول الخليج العربي.

 

هذا التحقيق يركز بشكل خاص على صناعة الطيران في دول الخليج العربية وذلك لتفوقها الكبير عن باقي أقرانها العرب. بالطبع إن غنى الدول يلعب دوراً مباشراً في نمو وتطور مثل هذه الصناعة ذلك لأنها تحتاج إلى تمويل كبير ليس فقط في مرحلة التأسيس بل وفي كافة مراحل العمل والتوسع. هذا ناهيك طبعاً عن سعر الوقود والطائرات وأجور العاملين الباهظة.

 

مع بداية ازدهار اقتصادات دول الخليج العربي في سبعينات القرن الماضي بدأت الاستثمارات تتدفق بشكل كبير إلى دول الخليج الصاعدة. احتاجت هذه القفزة الاقتصادية إلى تطوير وأنظمة لشركات الطيران العربي وذلك لسببين رئيسيين أحدهما لوجستي وظيفي لتسهيل حركة البضائع ونقل الركاب وتنشيط الاستثمار. السبب الآخر هو ربحي لأنه من الذكاء بمكان استغلال هذه الفرصة الاقتصادية لجني الأرباح وتطوير الناقلات الوطنية في الصدارة تأتي كل من الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر.

 

لعل طيران الإمارات هو أفضل مثال لهذا التحقيق فقد استحدث طيران الإمارات رسميا في عام 1985 بأسطول من طائرتين فقط لا غير. منذ تأسيسه ارتبط اسمه باسم مدينة دبي و موقعها في سوق الاستثمار العالمي. أما اليوم فيملك طيران الإمارات أسطولاً بأكثر من 230 طائرة كما باتت خطوطه الجوية تغطي القارات الست القاطبة وفي عام 2016 اختير طيران الإمارات كأفضل طيران تجاري في العالم. وهنا الإشارة إلى أن كل من مسيرة الخطوط الجوية القطرية و طيران الاتحاد لا تقل أهمية عن طيران الإمارات. لكي نفهم السر وراء هذا الإنجاز علينا أن نبحث في المميزات الخاصة لهذه الناقلات العملاقة سواء محلياً أو إقليمياً والظروف التي مهدت لهذا النمو السريع والاستثنائي.

 

إن النهضة الاقتصادية التي حدثت في دول الخليج العربي ساعدت كثيراً في نمو صناعة الطيران في تلك الدول فالمستثمر الأجنبي قد يفتتح شركة محلية و الشركة تحتاج إلى عمال و موظفين و العديد منهم مغتربين, و المغترب يحتاج لزيارة بلده مرة سنوياً على الأقل, و الوسيلة هي الطائرة. طبعاً هذا إذا استثنينا أفراد أسرة المغترب, في حال لم ينوي الإقامة مع عائلته في دبي أو جدة مثلاً. أما إذا نوى ذلك, فهو بحاجة لشراء تذاكر إضافية لكل أفراد أسرته. من ناحية أخرى, اشتهرت بعض مدن الخليج العربي بريادتها و اهتمامها بمجال السياحة, فعملت الحكومات على بناء مطارات كبيرة, مراكز تسوق, مقاصد سياحية و مشاريع ترفيهية مختلفة لاستقطاب السياح من كافة الأذواق و الأعمار. بالتالي هي بحاجة لشبكة خطوط كثيفة و كبيرة لتغطية حاجات السياحة و تسهيل نقل الأجانب و الزوار من و إلى أوطانهم. الإحصائيات الرسمية الأخيرة أثبتت مدى أهمية الاستثمار في قطاع السياحة, بحيث وصل التعداد السنوي إلى تسعة ملايين سائح, لمدينة دبي وحدها. مما لا شك فيه أن الناقلات الوطنية كان لها حصة الأسد في نقل هذا الرقم الكبير.

 

لا يمكننا الحديث عن النقل الجوي دون التطرق إلى قطاع خدمات الشحن, و التي لا تقل أرباحها شأناً عن نقل الركاب. المدن الكبرى في الخليج العربي تتميز بحركة بضائع كثيفة و احتوائها على مراكز تسوق و أسواق تجارية هي الأكبر في العالم, و بالتالي فإن العديد من هذه الأسواق بحاجة لناقلات شحن موثوقة و فاعلة من أجل تلبية حاجات السوق و الحركة الاقتصادية. النقطة الأخرى هي أن منطقة الخليج العربي ذات موقع استراتيجي مميز يربط حقيقةً بين ثلاث قارات مختلفة, أحدها هي قارة آسيا, موطن اقتصادات عملاقة كالصين و الهند و اليابان. هذه الميزات الجغرافية عززت و ما زالت تعزز نمو صناعة الطيران العربية, و ذلك لأن الناقلات استفادت بشكل كبير من نقل ركاب الترانزيت بين كل من أوروبا و آسيا و إفريقيا, و التي تقدر أعدادهم بعشرات الملايين أيضاً. حتى أن حركة النقل المحلي بين دول الخليج العربي ذاتها هي أيضاً كثيفة, نظراً للترابط الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي الوثيق فيما بينها. هذا كله ناهيك عن سوق العمل الخليجي و شعبيته بين أوساط الشعوب العربية كافة.

 

بالمحصلة, كل هذه الظروف و المميزات أهلت صناعة الطيران العربية لتنمو و تكبر لحد تنافس فيه عمالقة النفل الجوي في العالم, و بزمن قياسي جداً. هذا الإنجاز هو أيضاً ثمرة للجهد و الدعم الحكومي المباشر لشركات الطيران في التمويل المستمر و التوظيف المهني للخبرات العالمية في هذه الصناعة. نجاح بعض شركات الطيران العربية و تمدد خطوطها إلى الأمريكيتين أثار قلق شركات الطيران الأمريكية و أسفر عن خلاف جدي بين الطرفين بدء في عام2015. تفترض الناقلات الأمريكية أن الناقلات الخليجية لا تلتزم بمعايير المنافسة العادلة و أنها تتلقى تمويل حكومي مباشر لا يتفق مع مبادئ اتفاقية ((Open Skies. و بالتالي احتجت هذه الشركات الأمريكية لدى الحكومة الأمريكية, أكثر من مرة, و نوهت إلى أن الاتفاقية السابقة قدمت للشركات العربية المنافسة امتيازات هائلة دون أي امتيازات مشابهة تعود بالنفع المباشر عليهم. في رده على الاتهامات الأخيرة, صرح جيمس هوغن (James Hogan) الرئيس التنفيذي لطيران الاتحاد بأن الناقلات العربية ليست وحدها التي استفادت من الدعم الحكومي, و خاصة عندما يتم الحديث عن الناقلات الأمريكية العملاقة, التي قدمت لها التسهيلات و التعويضات الحكومية المباشرة و على مدى عشرات السنين.

 

تواجه صناعة الطيران العربية اليوم العديد من التحديات التي قد تؤثر بشكل واضح على نموها المستقبلي, فالخلاف لم ينتهي بعد مع كبرى الناقلات الغربية و خاصة الأمريكية, كما أن الاستقرار السياسي و الاقتصادي هو في أسوء حالاته في الشرق الأوسط, مما يحرم الناقلات بعض الوجهات المربحة و التقليدية. و في نفس السياق, إن عدم قدرة الناقلات التحليق فوق المناطق الساخنة, سيطيل من مدة الرحلة و يزيد من استهلاك الوقود و ذلك لاضطرار الطائرات الالتفاف حول هذه المناطق. كما أن التحديات الاقتصادية الراهنة و أسعار النفط المنخفضة لها تأثير سلبي على قطاعات الاستثمار كافة في المنطقة العربية, و التي بدورها ستؤثر سلباً على قطاع الطيران برمته, و قد تحد من سرعة نموه المعتادة.

المصدر : التيار الوطني