وظيفة شاغرة.. مطلوب مواطن لمنصب وزير!

مما لا شك فيه أن هذا الإعلان أو هذا العنوان سوف يستحوذ على اهتمام كل من سوف تقع عينه عليه وسوف يدفع الفضول معظم القراء لتحري الأمر لعل وعسى أن يكون الأمر جادًا ولم لا.

فمن منا لم يحلم ولو لمرة واحدة في حياته بهذا المنصب الرفيع ومن منا لم (يسرح بخياله) وتخيل نفسه يومًا ما وقد أصبح وزيرًا لوزارة ما من الوزارات يأمر وينهى يعاقب ويكافئ ويمارس صلاحياته وسلطته على الجميع.

ومما لا شك فيه أيضًا أن البعض قد لا يرى سوى بعض الجوانب المغرية لهذا المنصب دون أن يرى بقية الجوانب الأخرى الهامة فالبعض لا يرى سوى أن هذا المنصب (منصب الوزير) يعني السلطة والنفوذ والرفاهية ويعني السيارة الفارهة والمسكن الراقي والملابس الأنيقة والعلاقات الواسعة وكذلك الوجاهة الاجتماعية والأضواء والإعلام والصحف والسفريات والمؤتمرات والكثير من المغريات التي تجعل أي شخص قد يعُرض عليه تولي منصب وزاري سوف يقبله على الفور ودون تردد.

ولكن عزيزي القارئ أنصحك بالتأني قليلًا فقبل أن تجد نفسك وقد تم قبولك لشغل هذا المنصب وأنك أصبحت وزيرًا بالفعل ثم تصاب بعدها بصدمة شديدة أو خيبة أمل لاختلاف الواقع الفعلي عن المعتقدات والظنون التي كنت تتخيلها من قبل كما أود أن أخبرك ببعض المعلومات التي ربما تكون جديدة عليك وكذلك دعني أوضح لك بعض الجوانب الأخرى لمنصب (الوزير) ولعل ما سوف أخبرك به قد يؤثر على قرارك في التقدم لشغل هذا المنصب الذي طالما حلمت به .

إن كلمة (الوزير) حسب العديد من المصادر اشتُقت من كلمة (وِزر) وهي تعني الحِمل الثقيل والمرهِق والشاق كما أن هناك رأي يقول إنها مأخوذة من (الوَزَر) الذي هو بمعنى الملجأ وقيل أيضا إنها مشتقة من (وَازَرَه) بمعنى أعانه وقوّاه والترجمة الإنجليزية لكلمة الوزير هيMinister وهي مأخوذة من اللغة الفرنسية Ministre وأصلها من اللغة اللاتينية وتعني الخادم.

ومما سبق نستنتج أن كلمة الوزير لغويًا تتمحور حول النقاط التالية: (1) الحمل الثقيل (2) الملجأ الذي يلجأ إليه الإنسان في الشدة (3) الإعانة والمساعدة (4) وأخيرًا تعني الخادم.

وهذه المعاني كلها توضح وتبين لك مبدئيًا مدى ثقل المسؤولية التي تقع على عاتق الوزير ومن البداية اسمح لي أن أخبرك أيضًا بأنك إذا كنت لا تؤمن ولا تحبذ ولا تستسيغ هذه المعاني فأنت غير صالح لشغل هذة الوظيفة وبأنك (مرفوض من أولها) ولتبحث لك عن منصب آخر أقل مسؤولية.

نعم فهل لك أن تتخيل حجم الجهد الذي يبذله الوزير لمتابعة شئون وزارته وحجم المسؤوليات الملقاه عليه من رقابة ومتابعة ميدانية لبعض الأمور واطلاع وتحليل للتقارير اليومية والدورية التي تُقدم إليه والتي من شأنها مساعدة الوزير في اتخاذ ما يلزم من قرارات قد تساهم في نجاح الوزارة في أداء مهامها وتجنب الوزارة حدوث أي أزمة قد تعرض الوزير نفسه للمسائلة والاستجواب فكل شيء محسوب ومراقب.

هذا بالإضافة إلى ما نلمسه جميعًا من (سوء الفهم) لدى البعض للمسؤوليات والتسلسل الإداري والوظيفي فتعرض أحد المراجعين أو أحد الموظفين لمشكلة بسيطة قد تجعل البعض يقول: (إن الوزير هو المسؤول) مع أن مسؤولية الوزير في الأساس هي مسؤولية سياسية بالدرجة الأولى ناهيك عن شكاوى (بريد القراء) في الصحف اليومية والتي تكون موجهة بصورة مباشرة للوزير!

كما لك أن تتخيل أيضًا مدى الصعوبة التي يواجهها الوزير للموازنة بين حياته العملية وحياته الشخصية الخاصة وبين المتطلبات الوظيفية والواجبات الأسرية فلا ينبغي أن ننسى أن الوزير على المستوى الشخصي والخاص له عائلة وأسرة وزوجة وأبناء فهو أب وأخ وله أيضًا أصدقاء ومعارف وأقارب وهو أمر طبيعي جدًا كما أنه من حقه كذلك أن (يعيش حياته) مثل أي شخص عادي وهو أمر ليس بالسهل أبدًا كما لك عزيزي القارئ أن تتخيل مدى تأثير المهام الجادة وساعات العمل الطويلة ومدى الضغط والتوتر الواقع على (الوزير) وهو الأمر الذي قد يؤثر في تفاصيل حياته الأخرى هذا بالإضافة إلى أن الوزير ليس له توقيت عمل محدد فالوزير ينبغي أن يكون متاحًا طوال اليوم بل وطوال العام.

كما يخطئ من ينسى مدى الضغط العصبي والنفسي الذي يتعرض له الوزير دومًا خاصة أن منصب الوزير لم يعد «نزهة أو وجاهة» في ظل الدور الرقابي القوي لمجلس النواب الذي يملك سلطات ورقابة ومحاسبة ومتابعة لأداء الحكومة والوزراء بالإضافة إلى أن عامة الناس حاليًا أصبحت صاحبة وعي وأصبحت تتابع وتنتقد وتحاسب المسؤولين كما أن وسائل الإعلام ووسائل التواصل الحديثة والصحافة أصبحت على علم بكل كبيرة وصغيرة وكل واردة وشاردة ولعل ذلك هو أهم ما يدفع الكثيرين إلى رفض هذا المنصب أحيانًا لخوفهم من عدم القدرة على تحمل المسئولية.

وحتى لا تصاب عزيزي القارئ بالإحباط مما ذكرته لك أود أن أبشرك بأن رغم كل هذه المتاعب والصعوبات التي من الممكن أن تصرف نظرك عن هذا المنصب الرفيع فإن من يشغل هذا المنصب وينجح في أداء دوره ومهامه بحب وفاعلية هو في الواقع (مواطن صالح) نعم فالمواطن الصالح هو من يكون قادرًا على أن يركز في عمله الخاص (البزنس الخاص) ولكنه رغم ذلك يؤثر مصالح الناس على مصالحه وحياته الخاصة ويفضل القيام بخدمة الجمهور والناس وقضاء مصالحهم وهو ما يسمى بالخدمة العامة والعمل لمصلحة الوطن بل والإنسانية.

وفي النهاية أود أن أخبركم بأن في حال قبولك لشغل هذه الوظيفة وهذا المنصب فإن سر النجاح بسيط جدًا وأتمنى أن يصل إلى مسامع كل وزير حالي أيضًا فالوزير الناجح بالفعل يجب أن يعلم تمام العلم بأنه في وزارته خادمًا للوطن وللمواطن لا متكبرًا ولا كبيرًا عليهم ولا توجد أي حواجز بينه وبين أبناء وطنه كما ينبغي أن يحرص على معرفة نظرة عملائه (المواطنين) وأن يتعرف منهم كل السلبيات التي يعانون منها.

كما أنه لا بد أن يصنع بيئة عمل منتجة ومبدعة داخل وزارته وعليه بالاهتمام بمطالب الموظفين والعمل على تحقيقها فالموظفون هم الجنود الذين سيكونون عونه لتحقيق الأهداف كما عليه النزول بنفسه إلى الشارع والاحتكاك بالمواطنين ليسمع منهم ويرى الحقائق ويرد على مطالبهم.

كما يجب أن ينشئ مكتبًا خاصًا لمتابعة وسائل الإعلام للرد نيابةً عن الوزارة فيما يقال بشأنها ردًا منطقيًا حقيقيًا لا يبالغ في الأقوال ولا ينافي الأفعال وعليه كذلك تشجيع كل من يعمل بصدق وإخلاص وتقويم كل مستغل لمنصبه ووظيفته وأن يحرص كذلك على الزيارات المفاجئة لأقسام وزارته ومكاتبها والمشاريع والمهام التي تنفذها.

كما يجب أن يؤمن الوزير وكل أعوانه بأن (المواطن أولًا) وأن جميع الموظفين هم في الحقيقة مقدمو خدمة لا شاغلو مناصب وأنهم بلا تلك الخدمة التي يقدمونها للمواطن فلن يكون لهم وجود في الوزارة.

كذلك ينبغي أن يعيش بين أبناء الوطن ولو حتى من خلال مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر وأن يجعل الصلة بينه وبين المواطن ميسرة وسهلة ومباشرة وهذا أمر أصبح في وقتنا الحاضر سهلًا ميسرًا عبر وسائل الاتصال الحديث.

كما ينبغي أن لا يتوقف الوزير الناجح عند ما يحققه من إنجاز حتى ولو كان مبهرًا بل عليه أن يعلم أنه مجرد خطوة فقط من خطوات قادمة.

ولعل أهم سر من أسرار نجاح أي وزير هو أن يعلم جيدًا بأن (الله) الذي ولاه هذا المنصب سوف يحاسبه عليه يوم القيامة وهذا هو أهم وأقوى سر للنجاح الحقيقي.

مع خاص تمنياتي للجميع بالتوفيق وكلي أمل أن (تفتكروني بالخير) متى ما شغلتم هذا المنصب يومًا ما.

المصدر : ساسة بوست