البرتقالية تنتقم للمسافر المغبون!
default-avatar

منذ 2 دقيقتين 4 أغسطس,2017

إنّ ذلك الإضراب الذي شنه أصحاب الحافلات الخاصة في العاصمة لم يؤت ثماره التي كانت مرجوة منه إلى حد الساعة فما هو السبب وراء ذلك يا ترى؟ هل أدرك أصحاب الحافلات الخاصة أن إضرابهم هذا ما هو إلا خطوة أخيرة فاشلة كان لا بد منها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعدما استحوذت عشيقة المسافرين «البرتقالية» على قلوبهم ودنانيرهم وحتى دقائق الانتظار الطويلة في سبيل الركوب معها؟ هل أيقنت نفوسُ أصحابِ الحافلات الخاصة أنّ المسافر يومًا إنْ أراد التنقل الكريم فلابد أن تستجيب «الإيتوزا»!

لو حاولنا إيجاد سبب منطقي لهذا الإضراب لما تسنى مبدئيًا لنا ذلك هل يمكن أن يكون السبب مثلًا فرط الرفاهية التي يتمتع بها مرتادو الحافلات الخاصة نظرًا للخدمات التي توفرها من احترام لإنسانية وكرامة المواطن وعدم اعتباره قطعة نقدية من فئة 10 دنانير فما فوق! هل يعقل أن يكون السبب هو أن هذه الحافلات الخاصة متطورة عن اللزوم وسرعتها تضاهي سرعة القطار السريع؟ أم أن السبب هو عدم هدرها تعمدًا دقائقَ كثيرة في محطات توقفٍ خاوية على عروشها وعدم انتظارها للنّاس وهم في منازلهم!

يُقال إنّ الإنسان لا يعرف ولا يُقدر قيمة الشيء الذي بحوزته إلا حين يفقده أو يغيب عنه وهو حال أصحاب الحافلات الخاصة اليوم فبعدما كانت حافلاتهم تذهب وتجيء ملأى بالمسافرين المكرهين والمجبرين على ارتيادها ها هي تصبح كبيداء خالية قليلًا ما تصادف سرابًا أو شبح مسافر أو مسافِرَين كان لا بد لهذا التسلط والانتهازية أن يتوقفا عند مرحلة ما وهو ما كان فعلًا بعدما تفرعت خطوط شبكة شركة النقل الحضري وشبه الحضري إيتوزا على كل الخطوط هنا بالعاصمة بل تعدت ذلك لتلج بعض البلديات البعيدة ضواحي العاصمة معلنة أن «الإيتوزا» تمرض ولا تموت وأنّ استغوال الخواص واستحواذهم على معظم الخطوط هو رقم قياسيٌ يمكن تحطيمه وتحطيم المعاناة وكوابيسِ اليقظة التي أصبح المواطن الجزائري متأرقًا منها كلما تذكر أنه سيرتاد حافلة نقل خاصة وكأنّ به يساق إلى حتفه الأخير مرغمًا لا حول له ولا قوة!

هذه هي الصفعة التي قد تجعل أولي الحافلات الخاصة يثوبون إلى رشدهم ويجددون حافلاتهم ومعاملاتهم على حد سواء ليكسبوا بذلك ثقة الشعب من جديد لو أدرك هؤلاء ما توجب عليهم فعله إبّان بحبوحة تفردهم بمعظم خطوط النقل لما وقعوا في ويل ما اقترفته أيديهم من ممارسات انتهازية ومصلحية ضد المسافرين المغلوبين على حالهم وليس عليهم اليوم إلا إصلاح ما يمكن إصلاحه بدءًا من تغييرٍ جذريٍ لطريقة معاملة المسافر وعدم اعتباره قبل صعوده الحافلة قطعةً نقدية ثمّ غرضًا منزليًا بعد صعوده يضعونه ويَصُفّونه أينما شاؤوا متلذذين بذلك ومتسلطين! كما وجب عليهم احترام الوقت وتقدير ظروف زبائنهم من المسافرين وعدم استفزازهم بأقوال شبيهة بمقولة: «لي ما عجباتوش الكار كاين الطاكسي» حتى أصبح المسافرون اليوم يتناقلون أمام مسامع أصحاب الحافلات الخاصة مقولة مشابهة للأولى ولكن بتغيير بسيط فقط: «لي ما عجباتوش الكار كاين الإيتوزا»!

من المفروض أن لا نقبع في مشاكل قد ولى زمانها في ركب التقدم والرفاهية الإنسانية والتي من بينها مسألة النقل على سبيل التعيين هذه الأخيرة في بلاد ما وراء الأبيض المتوسط تُعتبر من بين الوسائل الاستمتاعية فبشرائك تذكرة سفر أنتَ على يقينٍ تام بأن كل مستلزمات الراحة متوفرة من مقاعدَ لائقة إلى مكيّفات ومدفِئات إلى تلفزيون وشبكة الإنترنت حرة متاحة للجميع وغيرها من المزايا الكمالية الأخرى ما الذي يمنعنا عن مثل هذه الرفاهية سوى معضلة الذهنيات والرغبة الجامحة في تذيل عجلة الحضارة والتطور لقد ترسخ في أذهاننا أن أوروبا كانت وما زالت وستبقى على رأس الأمم المتطورة هذا صحيح ولكن نسبيًا فقط لا ينكر عاقل أن الدول الأوروبية تحوز على مصانع وآلاتِ إنتاجٍ متطورة عن تلك التي بحوزتنا لكنّ السؤال المهم الذي وجب لزامًا علينا طرحه: هل هذه المصانع والمنتجات الصناعية هي من صَنَعَ تلك الذهنيات الأوروبية المتحضرة والمتطورة إنسانيًا وقانونيا؟ عند هذا السؤال جف القلم وليس لِعُصَارة عقولنا أن تجف هي الأخرى قبل الإجابة عليه الفينة الفينة!

المصدر : ساسة بوست