الحقيقة واحتكارها

التيه والوهم العيش فيهما غريب ومجهول. أحيانًا نخاف من الحقيقة أن تتضح وأحيانًا نقتلها ما إن أرادت أن تفعل غريزة الحفاظ على القناعة التي عرفنا أننا بها قانعون فجأة تؤدي إلى عُنف وقتل وسيل من الدماء وغيوم لا تكفي لحمل الأرواح وهي تعرج إلى الفوق بعد ما قد يجري.

التعصب لأمر ما تفكرنا به تفكرًا صحيحًا؛ جهالة فاضحة وعار معيب!

احتكار الحق والحقيقة؛ المصيبة الأكبر التي قادت إلى استصغار وتجهيل كل من كان مختلفًا وجعلت البعض يقول؛ كفر كل امرئ ما كان والداه كوالداي فيصبحان على نفس عقيدتي التي عليها والداي أصبحا!

 الاستهزاء بعقيدةٍ مختلفة حتى وان لم أفقه بها شيئًا يعني عَظمة معرفتي وحقُّ عقيدتي والراد عليَّ وعلى ما أقولُ؛ زنديقٌ فاجرٌ لايستحق حياةً أخطأ الربُّ حين وهبها إياه! فِكْري أحقُّ أن يتبع وأفكار الناس جميعها باطلة ما دامت بعيدة عن الحق الذي عرفته لا عجب هنا مطلقًا فهذا منطقُ ما يقارب الثمانون بالمئة من أهل الأرض إن لم يزيدوا على ذلك كثيرًا فكل امرئ يرى أن الحق واحد وله وحدَه وهكذا ندور في دوامات لا آخر لها.

الحقيقة أمر عظيم بالرغم من أنه مجهول لا يُمكن إثباته بسهولة أو أنه ذلك قد يستحيل البحثُ عنها كان عمل الأولين والآخرين من الفلاسفة ولم يستطيعوا إثباتها أو على الأقل الاتفاق على تعريف لها فكانت إشكالية الإشكاليات ومعضلة لايمكن حلها لا العلم استطاع أن يُثبتها ولا الفلسفة ولا حتى الدين؛ كل مجال منهم يعطي أجوبته ويؤطرها بنظرياته ودلائله لكن ما تمكن مجال من أن ينهي المعضلة فيثبت الحقيقة إثباتًا لا نقاش فيه ولاحيرة أو قد تمكن منهم احد لكنه ما فعل وكأن غموضها هو سر الحياة ولولاه ما كنا لنكون!

مع كل التيه الذي تسببه كلمة الحقيقة وحدها نزه البعض عقيدته من الخطأ بعد أن جعلها حقيقة لا نقاش فيها وليس في ذلك إشكال؛ بل إن المشكلة تكمن في جعل كل ما هو غير حقيقته باطل! فجعل من المعرفة شيئًا له وحده ومن الجهالة شيء للناس أجمع لا يمسه وحده! تلك متاهات الوهم التي نحن فيها وهي فينا جميعًا لا يخلو أحد منها منا حتى نحن الذين ننتقدها هي غريزة خُلقت مع الإنسان ولازمت كل البشر ولعل هذه الغريزة هي أيضًا سرٌ من أسرار البقاء بالرغم مما تؤدي إليه أحيانًا مآسي!

احتكار الحق والحقيقة صفة لا تتمتع بها عقيدة دون أخرى أو اتجاه وفكر دون آخر وتجهيل الآخرين أيضًا في كل الأيديولوجيات والأفكار يحدث ذلك فكما ترى إسلاميًا مكفرًا ستجد مسيحيًا كذلك يهوديًا وسيخيًا ومجوسيًا زرادشتيًا هكذا الجميع يفعل حتى الملحدين يرى الكثير منهم أنهم عرفوا الحقيقة التي يجهلها الجميع وحكموا على الآخرين بالسفاهة كما يفعل كل سفيه حين يسفّهُ الآخر بلا معرفةً متعمقة.

الأسرار في العالم كثيرة ومتعددة ووراء كل سر سبب جعله سرًا ووراء كل ظاهر سبب جعل منه ظاهرًا في الحياة كثير من الأُمور غامضة وقد تظل بغموضها حتى حين التعجل في الحكم بما هو غامض خطأٌ فادح اقترافه يسبب مصائب متنوعة ووسط هذا الصخب يكون العيش بسلام مع الإيمان وما يدعو له دون مضرة مع استمرارية البحث فعل فيه فلاح يُجنب من بعض المهالك التي تسببها تلك الغريزة العجيبة ويقي من أمراض عصية عديدة وحتى ذلك هو مجرد رأي كتبه صاحبه وقد يكون فيه مخطئًا.

المصدر : ساسة بوست