أعطوا الطريق حَقَّهُ

‎تقريبًا لا شيء يتحسن في بلداننا (مع الأسف طبعًا) قد لا تشعر بالحنين لركوب حافلة أو لزيارة مكان بعد سفرك لأنك ستجد تلك الحافلة في انتظارك وقد حافظت على سمتها في عدم ضبط وقتها. وستجد ذلك المكان ثابتًا والتغيير الوحيد الذي طرأ عليه هو لونه الشاحب وتطاير طلائه.

لكن قد تشهد تغييرًا طفيفًا؛ فمحطات الحافلات قد تدهن بالسواد (كأن نفسية الناس ينقصها سواد ألوان المحطات) القطار المتهالك الذي يسبب كوارث لا يبرح عادته في خطف الأرواح بأشنع الطرق (كأنه لا رادع له ولم يسمع بكلمة حرمة الأنفس) إن لم تملك المال الكافي والوقت للذهاب إلى مدينة الملاهي فلا بأس بالمواصلات العمومية والطرقات فهي توفر لك خدمة مجانية للترفيه وعدم حرمانك من «السفينة المجنونة».

محطات يندى لها الجبين فهي محطات مرحب بها للفضلات بأنواعها مسموح فيها بالتدخين البصاق أيضًا حتى إن تضورت جوعًا فلن تجرؤ على تناول حتى قطعة بسكويت في هذه المحطات. شواطئ ليس بها حاويات فضلات رغم تهيئة أخرى بها ولكن لا ضير أن ترى زجاجات بلاستيكية طافية فهي تعشق السباحة أيضًا في هذا الطقس الحار.

‎طرقات وقناطر وغيرها برامج تهيئتها أعدت من سنوات أو قد تكون أشغال تهيئتها قد انطلقت منذ سنوات ولكنها أشغال تعشق اللامتناهي في الرياضيات (تأبى الانتهاء). ‎أكيد ستتمتع ببركة أو بمسبح ببيتك أو بشارعك كلما تهاطلت الأمطار بغزارة (عرض لا يمكن لأحد رفضه).

‎معلومات نعرفها ليست بالتأكيد بالجديدة وغيرها الكثير الكثير لكن السؤال لماذا نواصل الإدلاء بهذه المعلومات ولم نعبر المرحلة بعد؟! لماذا نرى بلدانا على مئات الكيلومترات تتمتع بجمال الطبيعة أو بالتهيئة الشبه مثالية ولا نرى ببلدان أخرى إلا ما يسيء إلى بصرك كل بضعة أمتار؟! لماذا لم نبق على طبيعة الأرض إذ نحن مسيؤون لا نحسن التصرف؟ المسؤولية ليست مسؤولية دولة فحسب المسؤولية مسؤوليتي ومسؤوليتك ومسؤولية كل إنسان أيضًا أن تعرف أن للطريق حقه وأن للأرض حقها فلن تجرؤ على إلقاء حتى أبسط الأشياء على أرض حتى وإن ألقى غيرك. أن يوظف البعض ممن لهم جنح بسيطة في أعمال اجتماعية (تشجير تنظيف …) استراتيجية تعتمد في بلدان متقدمة (لم نأخذ منها إلا نشاز الأشياء).

‎لماذا نستمر بشتم بلداننا ولم نتجرأ على تحمل مسؤولياتنا وشتم ما ساء من أفعالنا؟! تركيا مثال لا يحبذه الكثيرون ولكنه أحسن مثال على قفزة نوعية في رقي شعبه وتحمل مسؤولياته كما تتحمله حكومته في بعض المدن التركية يندر أن ترى من يلقي شيئا على الأرض يندر أن لا ترى متنزها يندر أن لا ترى آلات رياضية في الأحياء لماذا لا تتعاون بلديات محلية مع بلديات تركية مثلا لمعرفة استراتيجيتها وكيف حققت الكثير في فترة وجيزة؟ بتونس بعثت الشرطة البيئية فكرة لا بأس بها لكن التوعية قبل الردع واجب كان لنا بتونس رمز للبيئة حيوان الفنك سمي «لبيب» شعاره «لبيب للبيئة حبيب» وجعل من كل شارع رئيسي «شارع للبيئة» يوجد فيه لبيب له ومضات توعية كبرنا مع لبيب لكنه اندثر واندثر معه وعي الكثيرين بالبيئة. فكرة بسيطة قد تعطي الكثير.

‎قالت لي أختي لو يتركون الأولاد يرسمون فنهم على هذه الحيطان التي لم تمر بها كلمة «طلاء» من قبل لرأوا إبداعات تقتل هذا القبح. فكرة!

لماذا لا يشارك كل واحد فكرة؟ لماذا لا نتوقف عن التأفف لبعض الوقت حتى نبحث عن حلول تبدأ من أنفسنا من بيوتنا من شوارعنا نبحث عن ما تتبعه دول أخرى (برنامج خواطر مثلا سهل هذه المهمة البحثية) لماذا لا نأخذ تعهدات على أنفسنا؟ تعهدات بسيطة بتغيير لامبالاتنا على الأقل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إِيَّاكُمْ والْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ: فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى ورَدُّ السَّلامِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)) والحديث أبلغ من كل كلام ورسالته لا تخفى.

المصدر : ساسة بوست