الطلاق.. انفصام الرباط المقدس

الشعور بالألم الفشل الخوف من المستقبل وعدم الثقة هو ما يذيله الطلاق.

يقولون إن الطلاق هو خطوة إلى الخلف قل لهم إنه لا بأس بأن تخطو خطوة إلى الخلف طالما أن صوب نظرك يحدوك نحو الأمام وطالما أن ضرر الانفصال أقل وطأة على النفس من أن تكمل زواجًا تحتضر فيه الروح وتوأد فيه أعذب المشاعر.

ربما لأن الزواج اليوم كثيرًا ما يتم على أسس غير متينة فالطلاق قد يحدث لاتفه الأسباب. على سبيل المثال قد يلجأ أحد الزوجين إلى تفسير تصرفات الطرف الآخر أحيانًا ويضخمها أو يصغرها وفقًا لمشاعره وأهوائه.

قد تكون الأمور في ذاتها ليست ضخمة ولا ضئيلة لكنها مناسبة مع منطق الظروف المجردة من أي اعتبار وعناد إحدى الزوجين وحبه لذاته الذي يطغى دائمًا وأبدًا على حبه لشريكه وكثيرًا أيضًا الكبرياء يجعل الزيجة تنتهي وتتهشم على صخرة الفراق فتتشظى معها المشاعر ويتشتت الأبناء إن وجدوا.

الباحث محمد رضا بجامعة عين شمس يعد تدخل الأهل سببًا مهمًا للطلاق خاصة في #مصر ولخص الأمر: “حينما يفشي شخصان أمرًا يصبح الأمر قصة والقصة قضية رأي عام”.

الخيانة والعنف ضد المرأة وأزمة منتصف العمر وإدمان الممنوعات والجفاف العاطفي وعدم الإنجاب أيضًا جميعها مسببات للطلاق.

الخيانة وتعدد علاقات الزوج النسائية لها وقع ثقيل على الروح يجعلها تتعدى حدود المغفرة على نفس زوجة متفانية في حب زوجها وقتها يصبح الانفصال حتميًا ولا يترك في الروح سوى جرح غائر وغضب سكين يرقد في العين منصهرًا بخذلان.

كثيرًا ما أتساءل: أليس من الظلم أشد الظلم أن يقال للزوجة: إذا اكتشفت خيانة زوجك لا تصارحيه ولا تواجهيه بل اعملي عزيزتي حتى تستعيدي اهتمامه وتجعله يترك محبوبته بينما دائمًا يرددون على الرجل يمكنك أن تطلق زوجتك إذا كنت لا ترى فيها كفايتك من هذا الجانب وتتزوج أخرى ما دمت غير قادر على الجمع بينهما أو ببساطة تزوج عليها!

خيانة الزوجة لا تقل فظاعة عن خيانة الزوج وهناك قصة حقيقية عن رجل عاش ما يقرب الثمانية عشرة عامًا مع امرأة عشقها وملأت عليه كيانه وقد أنجبت له ولدين فإذا به بعد كل تلك السنوات يكتشف حقيقتها المخبوءة تحت ستار من الزيف توشحت به وخديعة أدمت فؤاده فقد خانته امرأته مع جارهم الذي لطالما اعتبره صديقًا.

الأمر لا ينتهي هنا فقد كشفت له الخادمة التي تلازمهم منذ معترك حياتهم الزوجية أن امرأته خانته ثلاث عشرة مرة أغلبها مع أصدقائه وأنها كانت تشعر بتلذذ وهي تروي للخادمة فداحة فعلتها.. إحساس الزوج بتداعي عالمه وانهيار جعبة دواخله وغليان أحاسيسه حد التجمد والعري لازمه طوال الحياة.

اجتمع علماء النفس أن الخائن شخص سيكوباتي يتعارض مع قيم المجتمع ويتسبب في إيذاء الآخرين بالقول أو الفعل لكن من منظور آخر هناك بعض أنماط الشخصية في علم النفس تعتبر خائنة بفطرتها لسد خلل موجود في الشخصية نفسها كما هو الحال في الشخصية الهستيرية أو الشخصيات التي تعاني من عدم تقبل لذواتها أو الشخصيات التي لديها جموح.

إن أنماط تلك الشخصيات وإن توفرت لها جميع السبل السليمة لحياة زوجية مستقرة وصحيحة نجدهم يبحثون عن طرف ثالث لإقامة علاقة غير شرعية وذلك بسبب وجود اضطراب في الشخصية وتحدث منهم الخيانة دون وجود أسباب أو مبررات.

شاهدت رجالًا كثيرين ما أن وصلوا إلى منتصف العمر حتى يلجأوا إلى الزواج الثاني؛ محاولين من خلاله إثبات قدرتهم ورجولتهم والشعور أنهم لا يزالون مرغوبين وقد يلجأ آخرون إلى علاقات عابرة يصلوا منها إلى نفس الهدف وهو ما ينقل رسالة إلى زوجته ذات الأربعين بأنها قد أنهت مدتها وانتهت مهمتها لدى الرجل وينتهي الأمر كثيرًا بالطلاق الفعلي وليس فقط العاطفي.

أما عن العنف ضد المرأة الذي يحتل حيزًا كبيرًا كسبب للطلاق فيقول المحامي محمد الغفلي «العنف ضد المرأة لا يشكل ظاهرة وإنما حالات فردية ومن الأسباب التي تدفع الرجل إلى هذا العنف غياب الوازع الديني ثم التربية فقد يكون الزوج قد نشأ في بيئة لا تحترم فيها المرأة ولا تقدرها إلى جانب أنه قد يكون اعتاد مشاهدة والده وهو يُعنف والدته ناهيك عن غيرة الرجل على أهله فبعض الزوجات تأتي أفعالًا تسبب ذلك العنف فتُغضب الرجل فيمارس العنف بمختلف أنواعه».

ويضيف «أيضًا الجهل وقلة الثقافة واختلاف العادات والتقاليد بين الأزواج سببًا وجيهًا فقد يكون الزوج من بلد والزوجة من بلد آخر وما هو عيب ومنكر عند الزوج قد لا يكون كذلك عند الزوجة».

الأطفال أشد المتأثرين بطلاق الوالدين نفسيًا كما أن الأبحاث أثبتت أن زيجات الأطفال الناتجين عن تجربة الطلاق تعاني من نسبة طلاقِ أعلى مقارنة مع أطفال الزيجات الأخرى. لسبب هام هو أن الأطفال يتعلمون  الالتزام أو الديمومة الزوجية من آبائهم. بينما ينقص هذا الإحساس عن الأطفال من عائلات مطلقة.

إن الزواج ذاك الرباط المقدس هو أجرأ مغامرة يخوضها الإنسان وفي رأيي إذا وجد الحب وعانق التفاهم فأنجبا الصبر وعاش الزوجان في ذلك في مساحة من الحوارات المشتركة والتقدير والاهتمام فمن أين للطلاق إلا أن ينأى عنهما.

ومن الحكايات القديمة يحكى أنه في تشييع زوجته الراحلة طلب إمام معروف من أصحابه أن يبحثوا له عن زوجة فتعجبوا لتعجله الزواج وهو الذي لم يكد يواري جسد زوجته ولم يكن ذات يوم من الباحثين عن متع الحياة الحسية وسألوه عن ذلك فقال لهم: إن شرار الناس عزابهم.. ولست أحب أن ألقى الله عزبًا.

عراقيل الإقدام على الطلاق عند الحاجة له تتمثل في الخوف ونظرة المجتمع والعادات والتقاليد في الحقيقة إن الطلاق ليس سهلًا.. إنه خدش في جسم الحياة يبقى طوال العمر لمن أقدم عليه بغية الخلاص وارتأى أنه شر لا بدّ منه فطوبى لقلوبهم وعسى سلوانًا ينزل بأفئدة الجميع.

وكما قالت شاعرة أمريكية‏:‏ “متعة الحب تدوم لحظة‏..‏ وشجن الحب يدوم إلى الأبد‏!‏” أي تبعاته وعواقبه‏.‏. وأذاه على المحيطين.

المصدر : ساسة بوست