بـيـن الإلحاد و الإيمان (3)

قد حاولنا في المقال الأول أن نأتي على الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الإلحاد ثم بدأنا في المقال الثاني رحلتنا (نحاول ) فيها أن نقترب من الحقيقة بشكل موضوعي بعيدًا عن أي معتقدات موروثة فتكلمنا عن الشك وهذا دفعنا إلى أن نتأمل ونتعمق في الحكمة من خلق الإنسان أو وجوده ومن أحقيتنا في الشك وقد طرحنا سؤالًا في آخر المقال وهو هل الشك هو شك لأصحاب الإيمان الضعيف كما يعتقد بعضهم؟!

وفي هذا المقال سوف نجيب عن هذا السؤال بالتأمل في القرآن الكريم وفي سير أكبر علمائنا أعتقد أن كلًا منا قرأ سورة البقرة مرات عديدة أو على الأقل مرة ولكن كثيرًا جدًا ما تستوقفني الآيات التي تتحدث عن خليل الله وأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام؛ فقد كان ذلك الرجل فيلسوفًا ومفكرًا دائمًا يبحث عن المنطق والحكمة سواء كان يحدث قومه أو حتى بينه وبين الله. لنتأمل قول الله تعالى:

“ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”.

فهنا سيدنا إبراهيم ذهب إلى النمرود ليبلغ رسالة التوحيد والعبودية فأخذ يقنعه بأن من قدرات الله أنه قادر أن يحيي ويميت

ونستدل من هنا على معنى واضح جدًا وهو إيمان سيدنا إبراهيم بأن الله قادر على أن يُحيى الموتى والآن هيا لنتأمل قول الله تعالى في نفس السورة بل بعد بضع آيات من الآيه السابقة في قوله تعالى:

“وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.

فهنا يسأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يُريه كيف يُحيي الموتى فيسألُه الله عز وجل: أو لم تؤمن فيُجيب إبراهيم بـ “بلى” ومن المعروف في اللغة العربية أن نفي النفي إثبات وهذا يعني أن جواب إبراهيم هو نعم يا رب ولكن ليطمئن قلبي وهنا لم يعترض الله عز وجل على السؤال ولم ينكر ذلك على إبراهيم بل أخذ يجيبه عن سؤاله.

وهنا نستوقف عند قول إبراهيم “ليطمئن قلبي” والاطمئنان هنا عكسه الشك وهذا يؤكد ما توصلنا إليه في المقال السابق بأن الشك لا ينفي الإيمان بل الشك هو المحرك الذي يقربك من الحقيقة الشك هو الطريق الذي يصل بك إلى معنى “ليطمئن قلبي”

لهذا ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الذي رواه أبو هريرة وأخرجه البخاري ومسلم قوله: “نحن أحقُ بالشك من إبراهيم”.

وكأن هذه رسالة واضحة بأحقيتنا في الشك المنهجي كما أوضحنا ذلك في المقال السابق أحقيتنا في الشك الذي يدفعُنا نحو الحقيقة والذي يجعلنا نتأمل أكثر وأكثر.

ونأتي الآن بمثال آخر من سيرة الإمام أبي حامد الغزالي صاحب كتاب المنقذ من الضلال وتهافت الفلاسفة وإحياء علوم الدين وغيرها من الكتب.

والإمام أبو حامد هو من علامات الدين الإسلامي ولُقب بحجة الإسلام وهو أشعري العقيدة و شافعي المذهب وفي آخر حياته سلك درب المتصوفين من يقرأ كتب الإمام أبي حامد الغزالي يعرف أنه أول من أسس لمذهب الشك والذي اقتبسه ديكارت الفيلسوف الشهير فيما بعد وقد مر الإمام الغزالي بمراحل متنوعة في حياته أدت به إلى استنتاج وهذا ما ذكره في كتابه المنقذ من الضلال ولكن نريد هنا أن نتعرض لتجربة الغزالي وتلك المرحلة التي مر فيها بالشك.

يقول الإمام الغزالي فى خاتمة كتابه: ميزان العمل أن:

“الشكوك هي الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلالة”.(3)

وفى كتابه: المنقذ من الضلال ينص قائلًا:

“أن العلم اليقيني هو الذي يكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم”. (4)

أما عناصر القياس لهذا العلم اليقيني فهي الأمان والثقة. “حيث كل علم لا ثقة به ولا أمان معه وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني”. وبدأ الإمام أبو حامد في تأسيس مدرسة الشك الفلسفي فبدأ أولًا بالشك في العقائد الموروثة والمشاكل الفلسفية. ففي العقيدة الدينية وجد أنها تنتقل إلى الإنسان عن طريق التقليد لا أكثر. وعليه فإن الفرد ينشأ وفقًا لملته التي يعتنقها أبواه. ولذلك قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”.

إذًا فإن مسألة التقليد ليست يقينًا ولا تقود إلى حقيقة الفطرة الأصلية التي تميز بين الحق والباطل. أضف إلى ذلك أن هذه “الفطرة الأصلية” هي واحدة عند كل البشر.

ثم استمر الغزالي في تأسيس مذهبه الشكي حيث إنه شك أول الأمر فى المحسوسات ومن بين الأمثلة التي ساقها: إن حاسة البصر تنظر إلى الكوكب فتراه صغيرًا في مقدار دينار. ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار وعليه فإن الحسيات غير يقينية ولا توجب أن نسلم بها بصورة قاطعة ثم شرع فبدأ يشك في العقل أيضًا إذ لا يمكن أن نسلم بالضروريات الأولية للعقل لأن قولنا: بأن العشرة أكثر من الثلاثة. أو أن النفي والإثبات لا يجتمعان فى الشيء الواحد. أو غيرها من البراهين العقلية التي لابد وأن تكون من العلوم ولكن هذه العلوم إن لم تكن مسلمًا بها فإن الدليل قطعًا سوف يكون عقيمًا لا ثقة به ولا أمان معه.

ثم يكمل الإمام حامد أنه توصل إلى اليقين عن طريق نور قذفه الله في قلبه.

وهنا نستنتج أن الشك هو من بديهيات العقل والمنطق وأن الله هو الذي وهبنا هذا العقل ليس للزينة وإنما رزقنا الله بهذه النعمة حتى نبحث ونحاول أن نقترب من الحقيقة بحثًا عنه وأن هذا البحث لا ينافي الإيمان بل هو محاولة لأن يكتمل الإيمان كيقين ينير عقولنا ويروي صدورنا.

هناك من استسلم لما هو عليه دون محاولة البحث أو الشك وهناك من لم يكتف بهذا الإيمان فأخذ يبحث ليروي قلبه ويُشبع عقله.

ولكن هل دائما البحث يصل بك إلى الحقيقة؟ وهل ما تدركه من حقائق يصل بك إلى كمال اليقين؟ هذا ما سوف نحاول الوقوف عليه في المقال القادم.

(1)سوره البقرة. الآية 258

(2)سوره البقرة. الآية 260

(3)ميزان الأعمال. الصفحة 409

(4)المنقذ من الضلال. الصفحة 60

المصدر : ساسة بوست