نحو تحقيق مجتمع إنساني حقيقي 

منذ 1 دقيقة 3 نوفمبر,2017

ظل مفهوم التقدم مرادفًا للعصرنة والرفاهية لكنه أصبح يعني حاليًا جلب المزيد من المخاطر وأداة للتدمير إلى جانب النفع الذي يعود به على الإنسانية؛ حيث أحدث التطور العلمي والتكنولوجي تغييرًا جذريًا في نمط حياة البشر وبقدر ما كان لذلك التغيير من إيجابيات عديدة لا يمكن حصرها في مجال معين فإنه فتح المجال واسعًا لانعكاسات سلبية وانتشرت مساوئ ذلك التقدم الهائل في كافة مجالات الحياة وتركت آثارًا مدمرة على البيئة والإنسان تلوثت المحيطات بشكل أصبح معه الكون مهددًا ليكون عرضة لاحتمالات كارثية طبقة الأوزون تزيد اتساعًا يومًا بعد يوم؛ لتحدث فجوة في الغشاء الواقي للكرة الأرضية لا يعلم كيف سيكون وضعها في غضون عشريات قادمة نفايات سامة تدمر الطبيعة وتلوث البحار والمحيطات واليابسة لتهدد الإنسان في حياته ومع ذلك يتمادى في طرحها في أماكن يظن أنها معزولة وكم يصبح الأمر غاية في التعقيد والخطورة حينما يتأكد أن بعض الدول قدمت تسهيلات لبعض الشركات العاملة في الحقل النووي أو غيره كي توزع نفايات قاتلة على أراضيها لقاء أموال أو امتيازات أخرى.

إذ يكاد يتفق أغلب الباحثين والمفكرين في شتى فروع الإنسانية على أن البشرية المعاصرة تعاني أزمات حادة سياسية واجتماعية واقتصادية وبيئية كما تنبه بعض الباحثين إلى إرجاع كل الأزمات التي تعانيها الإنسانية إلى اختلال في توزيع الثروات الوطنية وإلى طابع الاستغلال الذي يحكم علاقات الإنتاج داخل كل بلد؛ فلقد ظهرت الآن دراسات من طرف اختصاصيين في قضايا التنمية الدولية ترجع ما يواجه الإنسانية اليوم من مشاكل خطيرة إلى الهوّة العميقة التي تزداد اتساعا مع الأيام بين البلدان النامية التي نمت بالفعل؛ أي أن انخرام التوازن سواء على صعيد البلد الواحد أم على الصعيد الدولي هو سبب كل أزمة أو انفجار اجتماعي فهناك من جهة جوع وعري وأميّة وموت مبكر وإسكان لا يفي بالحد الأدنى من ضرورات الحياة وهناك من جهة أخرى ترف وتبذير وبذخ واستغلال.

وتصحيح الوضع يستحيل أن يتحقق ما دام هذا التفاوت الفظيع والاستغلال البشع يتحكم في علاقات الأمم وعلاقات الأفراد؛ لأن العالم المتقدم كلما اطرد به السير السريع في التنمية والإنتاج ثم الإسراف في البذخ والتبذير كانت النتيجة هي زيادة الفقر والتخلف في العالم الثالث. كما أنه على صعيد البلد الواحد لا يمكن أن يتحقق أي إصلاح حقيقي مادامت المساواة بين أفراده معدومة؛ لذلك لا بد من مجتمع جديد يحقق طموح الإنسانية في الحرية والمساواة وهذا المجتمع الجديد ليس بالتأكيد مجتمع الاستهلاك والاستحواذ الذي نشاهده في البلدان المتقدمة ونشاهد جوانب منه لدى بعض الطبقات الطفيلية في بلدان العالم الثالث إنه مجتمع الإنتاج الذي يستهدف تلبية الحاجات الضرورية لكل إنسان وعندما نقول الحاجات الضرورية فلا يفوتنا أن نقول إن هذه الحاجات تختلف باختلاف العصور والثقافات والحضارات والأنظمة الاجتماعية والسياسية فما كان ضروريًا في ثقافة ما يصبح كماليًا في ثقافة أخرى وهكذا لذلك كان من الضروري ألا يترك تحديد هذه الحاجات إلى أفراد يقرؤونها كما يشاؤون بل لا بد من مشاركة أفراد الشعب وعلى نطاق واسع في تحديدها وذلك عن طريق الشعب وحسب حاجته.

ولإدراكنا الارتباط العضوي المتين بين الإنسانية المعاصرة المتقدمة منها والمتخلفة؛ فإن روح التنمية هذه المستهدفة رفاهية الجميع تظل مهددة بالفشل ما دامت علاقات الاستغلال تسود عصرنا إن مهمة الرجال الشرفاء في العالم مفكرين وسياسيين بأوسع معنى الكلمة أن يعملوا من أجل تغيير الأسس التي يقوم عليها المجتمع الإنساني بأسره لفائدة سعادة الإنسان وهي مهمة الجميع في العالم المتقدم أو في العالم الثالث؛ لأن الأزمة عندما تشتد ستصيب الجميع ولأنها من عمل الجميع مهما كانت نسبة هذا أو ذاك فيها.

المصدر : ساسة بوست