للمصائب مذاق العنب!

لماذا تجذبنا دائما الأخبار الكارثية؟ يتردد صدىٰ هذا السؤال في عقلي كلما حدثت مشاجرة (عركة) في شارعنا فأجد الجميع يهرول للخارج وأنا معهم؛ أراقبهم.. بعضٌ يُتابعُ الأحداث في شغف وبعض آخر يتهامسون حول من هؤلاء.. وآخرون يصورون! الغريب أنه وبالرغم من انتهاء تلك (العركة) يظل الحديث عنها قائمًا في الشارع لأكثر من أسبوع وربما شهر كمن يستمتع بذكرها! لم أُعطِ في البدايه بالًا لهذا السؤال ولكن مؤخرًا لفت انتباهي انتشار مثل ذلك النوع من البرامج الإذاعيه تلك التي تتحدث وبشكل مستمر عن كوارث ومصائب تُذيع أخبارًا تحرق القلب ويقشعر لها البدن حتي الصُحُف لم تَسلم مِن هذا المرض؛ حتى أنهم خصصوا صفحة بكاملها سُميت (صفحه الحوادث)! ما كل هذا! هل نَنبِش عن الألم؟! بالتأكيد لو لم يجدوا رواجًا لمثل تلك الأخبار لما أذاعوها.

لذا فكرت أنه من الممكن أن يكون للموضوع أبعاد أُخرى.. فكرت فينا.. نحن.. ففي مسامراتنا وأحاديثنا العادية دائمًا ما يتخللها حوار حزين كارثي وسيئ تلك الفتاة التي طلقت أو ذلك الرجل الذي توفي فجأة وهؤلاء التعساء الذين احترق منزلهم (يا ولداه)!

حتى أننا دائما ما نبحث عن ذلك الصديق الجيد الذي يمكننا مشاركه (هَمُّنا) معه في المقام الأول ولا نبحث عمن يشاركنا فَرحنا كأنه أمر ثانوي سَيَستتبعه بالضرورة!

لماذا؟ لماذا دائما ما ننجذب للجانب السيئ والمظلم؟ لماذا دائما ما نرى السيئ فقط ونُهمل الحسن الذي نراه؟ شارع جميل به أشجار وبعض وردات لكن هناك في آخره سلة مهملات ملقى حولها بعض قاذورات فتقوم الدنيا ولا تقعد وأن هذا الشارع به وعليه وتقوم القيامة! فتاة حسناء متفوقه في دراستها لكنها لم تتزوج بعد فتجد تعليقات الناس.. ماذا؟ لم تتزوج! هل عُمِل لها عمل؟! يالتعاستها! يالسوء حظها!

وللحقيقه توصلت إلي عدة أسباب لها دور كبير حول انجذابنا للمصائب واستمتاعنا بالحزن.

أولها: أن تلك الأخبار السيئة تثير فضولنا فمن هؤلاء؟ سؤال منطقي عندما ترى غرباء يتقاتلون في شارعك و(ما سبب العراك؟) هو سؤال منطقي آخر لماذا يتقاتلون في حينا؟ هو سؤال منطقي ثالث. إذًا إن المصائب تثير فضولنا علىٰ نحو كبير وكلما توصلت لإجابه أحد الأسئلة ينهال غيرها على عقلك.

ثانيها: وهو تفسير غريب بعض الشيء لكنه صحيح – وهو أننا حقًا نستمتع بالحزن ليس الشعب المصري وحده إنما البشر بشكل عام يجدون لذة حول الحديث عن الحزن ذكر نيتشه أن مشاركة المعاناة تُبعد النظر عن المعاناه الذاتية فينتج الفرح والنشوة أو التسلية وكما ذُكر في المثل الشعبي (اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بَلوته) لذا أعتقد أن الحزن أصبح ملاذًا للسعادة بل أعتقد أنه كذلك منذ القدم فهو ليس حاله جديده طارئة علينا فحب الحزن كما ذَكرتْ حالة عامة عند الناس؛ فمثلًا: في المتاحف كم شخصًا يتوقف لتأمل اللوحات الحزينة تلك التي نستوحي منها الشعور بالحزن مقارنةً بنقيضتها التي تبعث على الشعور بالفرح؟ انبهارُنا بمشاعر الحزن التي تبثها الأفلام! وانجذابنا إلي التراجيديا في الأدب كل هذا مجرد شواهد على استمتاعنا بالحزن. لذا لا عجب أن يكون هناك من يتلذذ بالحزن كتلذذه بالسعادة.

وربما الاستمتاع بالحزن ليس استمتاعًا بالشعور ذاته بقدر ما هو استمتاع بالمواساة التي نقدمها.. ربما.

ويوجد سبب آخر عله تحليل نفسي بعض الشيء ولكنه سبب مُرض بالنسبة لي وهو أن الشعور بالحزن هو الشعور الوحيد الذي يخاطبنا كبشر وينفذ إلى داخلنا ونحن نري أنفسنا في هذا العالم نشعر بعدم الانتماء.. أراه عميقًا!

وبكل تلك الأسباب لا أعتقد أن الشعور بالفرح يبعث فينا مثل نشوة الحزن.. الشعور بالفرح مؤقت.. الضحكة تنتهي بشكل أسرع مقارنةً بالبكاء! المواقف المضحكه لا تترك أثرًا بداخلنا كالذي تتركه نقيضتها.. لذا لو كنت فضوليًا حول إن كان الفرح يجذبنا كما يفعل الحزن! فسأجيبُك بلا.. لا يجذبنا الفرح كما يجذبنا الحزن.. ولا أظن أنه سيفعل يوما.. لقد ولدنا نبكي.. و أظن أن الشعور بالراحة مرادف للبكاء!

ولكني – بالرغم من ذلك – أود أن أذكر نفسي وإياكم أن السعاده لا تتطلب غياب الحزن وإنما تتطلب القدرة على التعايش معه.

المصدر : ساسة بوست