طريقة الشاعر

يقول المثل الروماني الشهير:

«كل الطرق تؤدي إلى روما»!

ومتجاوزًا أسبابه التاريخية والجغرافية أصبح المثل تعبيرًا يجري على عموم المواقف ذات الخيارات المتعددة.

نظريًا؛ قد يكون صحيحًا لأمرٍ ما أن كل الطرق المتاحة إليه تقود لنتيجة واحدة لكن علينا أن نتدبر حينها في أن تكاليف المرور ليست واحدة لكل الطرق؛ فهناك طرق وعرة وطويلة وهناك طرق سهلة ومختصرة. أما في الواقع؛ ليس صحيحًا بشكل دائم أن تكون النتيجة مضمونة لكل الخيارات فبعض الطرق مسدودة وبعضها في غير اتجاه الهدف. ولا يتحقق الوصول الآمن الذكي إلا بالاختيار الصحيح المبني على الدراسة والنظرة الشاملة على احتمالات الموقف.

بدائية الفلاح وقريحة الشاعر

ولتقريب المعنى المنشود بصور من نشاطات وواقع الحياة: نجد أن الفلاح وبالرغم من تطور أدواته وتحديث آلياته إلا أن حصوله على الثمار يبقى مُقيدًا بتكاليف كبيرة فلا مفر من أن يحرُث ويزرع ويروي ويكافح وينتظر. وقد يرتكب الأخطاء أو يتعرض لظروف سيئة فلا يجني المحاصيل ولا ينال المكاسب. ولهذا فإن «طريقة الفلاح» – من حيث إجراءاتها لا من حيث أهميتها – تمثل نموذجًا واضح الرمزية في توصيف الطرق البدائية المحكومة بالكثير من المصاريف والمتاعب.

في زاوية أخرى؛ نجد أن قريحة الشاعر تقرأ الصور وتصور المعاني وتتمعن في الأفكار حتى يقع في القلب شيئًا يُلهِم الروح ويُشعِل الذهن ويحرك عجلة التأليف فتتولد إبداعات غاية في الجمال والعبقرية. وبهذه الكيفية؛ فلا أقوى من «طريقة الشاعر» باعتبارها وصفًا رمزيًا للطرق الإبداعية المستلهمة التي تقدم الحلول بالحد الأدنى من الجهد والوقت.

هل فعلًا هناك فرق؟

ليس فقط كبيرًا من ناحية توفير العناء والمشقة بل هو فرق مدهش وذو تأثير ساحر في مختلف الأنشطة وأنواع المهام. ولأن التفكير الرياضي هو أساس العبقرية والحاضنة الدافئة للإبداع؛ فإن المسائل الرياضية خير مثال على إظهار الفارق.

لاحظ تأثير النظرة الشاملة

عددان مجموعها = 4 وحاصل ضربهما = 7 ما هو مجموع مقلوبيهما؟

بطريقة الفلاح: وبالتفكير البدائي التقليدي نتجه لحساب قيمة العددين ثم حساب مجموع مقلوبيهما. وللقيام بذلك: نُسمي العدد الأول X والثاني Y ونضع المعطيات في معادلتين ثم نضع المعادلة الأولى بدلالة X ونعوض عن قيمته في المعادلة الثانية لينتج لدينا معادلة تربيعية غير قابلة للتحليل.. وبحلها باستخدام القانون العام نحصل على قيمة عددية مركبة لـ X ومن ثم وبالتعويض نحصل على قيمة عددية مركبة لـ Y وبالمزيد من الحسابات نتوصل إلى أن المجموع المطلوب يساوي 4/7 وذلك بعد امتلاء الصفحة وخسارة عدة دقائق.

بطريقة الشاعر:

A:   1/x + 1/y = (x + y) / xy = 4/7


<img draggable=”false” class=”emoji” alt=”????” src=”https://s.w.org/images/core/emoji/2.2.1/svg/1f642.svg”>

النظرة الشاملة تكشف الخطوات اليسيرة نحو المطلوب دون الخوض في تفاصيل غير لازمة.

لاحظ تأثير تحليل البيانات

اذكر جميع أزواج الأعداد الأولية التي مجموعها يساوي 999؟

بطريقة الفلاح : نعمل على كتابة قائمة بكل الأعداد الأولية التي أقل من 999 وهذا يتطلب إجراء الكثير من الحسابات للتأكد من كون الأعداد المدرجة تحقق التعريف ثم نبدأ بعدها بتجريب الجمع وفرز الأزواج المطلوبة. وبلا شك هي طريقة متعبة ومملة وتحتاج لسهرة طويلة.

بطريقة الشاعر : 999 هو عدد فردي وبما أن الحصول على عدد فردي من مجموع عددين لا يتحقق إلا إذا كان أحدهما زوجيًا والآخر فرديًا وبما أن 2 هو العدد الأولي الزوجي الوحيد: إذن يوجد زوج واحد يحقق المطلوب هو (2 ,997) .

تحليل المسائل والمواقف التي تبدو في غاية الضخامة والصعوبة يجعلها في غاية الصِّغر والسهولة.

لاحظ تأثير التفكير الرياضي في مسألة عملية

إذا كان لديك رقعة شطرنج 8×8 و 32 حجرًا من حجارة الدومينو 2×1 هل بإمكانك أن تبين كيف يمكن تغطية الرقعة بـ 31 حجرًا بعد إزالة مربعين أسودين من زاويتين متقابلتين من الرقعة؟ (أحجية رقعة الشطرنج المشوهة – اقترحها Max Black عام 1946).

بطريقة الفلاح : نقول أن 31 حجرًا تُغطي 62 مربعًا وهو استنتاج مُشجِع لكن ومع تجريب التراتيب المختلفة في الاتجاهات الأفقية والرأسية محاولين تغطية الرقعة وبعد وقت طويل ومحاولات كثيرة سنُصاب بالإحباط؛ ليس فقط لأننا لن نتمكن من إنجاز المهمة بل لأننا سنحتاج لدراسة مواضيع معقدة في علم الاحتمالات لمعرفة عدد التراتيب الممكنة.

بطريقة الشاعر: بالنظر لطبيعة تجاور المربعات وترتيبها التبادلي في الاتجاهين الأفقي والرأسي للرقعة؛ فإن كل حجر دومينو لا بد أن يُغطي مربعين بلونين مختلفين (أسود وأبيض) وعلى ذلك فإن التغطية الكاملة تستلزم أن يكون عدد المربعات السوداء مساويًا لعدد المربعات البيضاء وبما أن عدد المربعات السوداء أقل بسبب الحذف؛ فإن التغطية مستحيلة أيًّا كانت طريقة توزيع وترتيب الأحجار على الرقعة.

الفارق بين هذه النوعية من الحلول الجميلة والمثيرة للإعجاب والحلول الأخرى كالفارق بين هدف بعد تمريرة واحدة وهدف يحول بينك وبينه مراوغة عشرة مدافعين!

لماذا لم أفكر بذلك؟

إذا أدهشتك الحلول السابقة ولمست الجمال الكامن فيها واستفزتك بساطتها فلا بد أنك وجهت لنفسك هذا السؤال!

ذلك لأن طريقة التفكير ليست مسلكًا نختاره من خيارات متاحة لكنها نتاج لمستوى المرونة ولنوعية الخبرة المكتسبة. فإذا كنت تمارس التدريب التقليدي المعتمد على الحفظ والقياس فستفتقر القدرة على الملاحظة والتجاوب وستكون أفكارك حينها محدودة وضيقة وعلى طريقة الفلاح وستقودك للتيه عن «روما» أو ستصل متأخرًا بعد عناء.

وفي المقابل فإن؛ تحري المنطق والتدريب المستمر على التحليل والاستنتاج يبنيان استراتيجية نظر واسعة وبيئة خصبة لاستلهام الأفكار والإبداعات وتقديم الحلول المستنيرة على طريقة الشاعر وحينها ستصل إلى «روما» بأناقة وفي حوزتك فائض من الوقت للاحتفال والغناء.

المصدر : ساسة بوست