كيف صاغت طفولة ميركل شخصيتها ومستقبلها السياسي؟

"أنجيلا دوروتيا كاسنر" المستشارة الألمانية التي حققت الفوز بولاية رابعة في المنصب الرفيع الأحد والمولودة في 17 تموز/يوليو 1954 بهامبورغ غرب ألمانيا واحدة من أكثر النساء إثارة للجدل في العالم في دنيا السياسة.

 

فما هي الخلفيات المبكرة التي جاءت منها أي عالم طفولتها الذي شكّل عقليتها الراهنة وقدرتها على العمل والإصرار القوي والعزيمة والنجاح الباهر في عالم الصراعات السياسية؟

 

السياسة والدين

ولدت أنجيلا من هورست كاسنر وزوجته هيرليند وقد كان والدها عالم لاهوت بروتستانتي وملتزماً دينياً أما والدتها فكانت معلمة وأصبحت عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني وربما كان ذلك تحفيزاً مبكراً للابنة للاهتمام بعالم السياسة.

 

غير أن الصورة المبدئية أن ميركل ومنذ صغرها اهتمت بعالمي السياسة والدين هذا المزج الذي تجسد فيما بعد في عضويتها بحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي أوصلها إلى موقعها الراهن لأربع مرات.

 

الأرقام واللغة

بالنسبة للمدرسة فقد أظهرت ميركل تفوقاً مبكراً لاسيما تميزها الواضح في الرياضيات واللغة الروسية. وبعد إكمال دراستها دخلت جامعة لايبزيغ حيث درست الفيزياء من عام 1973 إلى عام 1978 وكان ذلك انعكاساً للاهتمام المبكر والتفوق في عالم الرياضيات والأرقام.

 

وفي عام 1978 انضمت إلى المعهد المركزي للكيمياء الفيزيائية لأكاديمية العلوم في برلين-ألديرزهوف حيث حصلت في نهاية المطاف على الدكتوراه عن أطروحتها في كيمياء الكمّ سنة 1986 وظلت مرتبطة مع الأكاديمية كباحثة حتى عام 1990.

 

وفي الوقت نفسه كانت تخوض ميركل غمار العمل السياسي لتمزج اللاهوت والفكر بالرياضيات والفيزياء وذلك بنهاية عقد الثمانينيات من القرن العشرين لتنضم إلى حزب الصحوة الديمقراطي الجديد الذي تم إنشاؤه في أعقاب ثورات عام 1989 والذي اتحد مع الحزب الشرقي الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني عام 1990.

 

منزل الطفولة

عاشت ميركل طفولتها وصباها في منزل العائلة المكون من ثلاثة طوابق صاحب السطح المتدرج والقرميد والنوافذ العلوية التي تشبه الأعين التي ترى كل شيء من بعيد.

 

كان ذلك المنزل المبكر بـ"تمبلين" وهي بلدة صغيرة بالقرب من غابات براندنبورغ تعرف بجوهرة إقليم أوكيرمارك تقع على بعد ساعة من برلين وقد كانت الأسرة تشغل الطابق الأول من البيت الذي قسم لاحقاً إلى مجموعة من الشقق.

 

عاشت ميركل السنوات الأولى هناك في تلك المنطقة التي تبعد حوالي 80 كيلومتراً شمال برلين حيث يقع مركز للتعليم الكنسي خارج المدينة ويُدرِّس فيه والدها. وكانت الأجواء تشبه العصور الوسطى ومشحونة بعالم اللاهوت والتصورات الدينية.

 

وارتحلت الأسرة عندما كانت ميركل في سن الثالثة عام 1957 إلى تلك المنطقة للإقامة بقرية كويتزوف بألمانيا الشرقية سابقاً. وفي سن مبكرة وهي في السادسة تقريباً كانت أجواء الشرق قد انعكست على ميركل عندما بني سور برلين العازل عام 1961. وكون والدها قسيساً ومديراً لمدرسة لوثرية فقد عمل ذلك على تضييق الأحوال وشكل جزءاً من شخصيتها.

 

الشرق.. ما الذي أكسبه لها؟

بشكل عام فقد كان ارتحال والدها شرقاً مريباً بعض الشيء فلا أحد كان يرغب في ترك أجواء الغرب المنفتح والحريات والسفر للإقامة في الشرق المختنق. لكن في المقابل فإن تلك البلدة التي عاشت فيها ميركل الطفولة تميزت بالسكون والصفاء الطبيعي وهي أمور نادرة.

 

أحياناً كان عليها أن تخفي هوية عمل والدها حتى لا يتم مضايقتها بسبب الأب اللاهوتي وبشكل عام فإن مناخ الشرق جعل ميركل إنسانة كتومة وصارمة وتقود أشياءها في الحياة بشكل عام بشيء من الحذر المطبق.

 

ومما عقد ظروف الأسرة أن والدتها المعلمة التي كانت تدرّس اللغتين الإنجليزية واللاتينية في ألمانيا الغربية تم وقفها عن العمل بسبب زوجها رجل الدين وارتباطه بالكنيسة.

 

أشياء خاصة والأشقاء

لم تكن حياة المستشارة سلسة على أي حال فرغم ذكائها المبكر وكونها تعلمت الكلام سريعاً إلا أنها تأخرت في المشي وظلت كذلك تخاف من صعود الدرج والمشي في المنحدرات.

 

كان لها اثنان من الأشقاء وهي الأكبر: ماركوس كاسنر الذي أصبح فيزيائياً وإيرين كاسنر والتي صارت معالجة مهنية ونقل أنها في طفولتها كانت تمارس الهيمنة على شقيقها الأصغر ماركوس وتفرض عليه الأوامر وتوظفه كساعي بريد لها.

 

مناخ الحرب الباردة وأجواء السرية

 

شكّل المناخ السياسي للحرب الباردة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية جزءاً من معرفة وعلاقة ميركل مع العالم في فترة طفولتها. كان الوالد الاشتراكي يشعل الجدل والنقاشات في البيت على طاولة العشاء حول موضوعات بهذا الخصوص. لا شك أن ميركل سمعت الكثير منها وربما شاركت فيها.

 

كما تعلمت ميركل كيف تحافظ على أسرار العائلة وميولها الشخصية بسبب المناخ السياسي العام في ألمانيا الشرقية آنذاك خوفاً من البوليس السري ولفت الانتباه بأي شكل كان. وفي تلك الآونة فإن عدم القدرة على التعبير بصراحة في ألمانيا الشرقية أثر على الكثير من الناس بطرق مختلفة.

 

وفي تلك السنوات الأولى وهي تشبع حبها للسياسة فقد كانت تستمع سراً إلى الإذاعة التي تبث من ألمانيا الغربية لاسيما أخبار الانتخابات. ورغم ذلك فقد اتجهت في التعليم إلى المجال العلمي ولم تذهب إلى العلوم السياسية التي عادت لها في الممارسة الواقعية لاحقاً.

 

لكن على أي حال فإن تربيتها في الشرق انعكست على شخصيتها في أسلوب الحذر الشديد والتقصي وتضافر ذلك مع أسلوب العلم الصارم والدقة العلمية التي اكتسبتها في الفيزياء والرياضيات لتصنعان منها المرأة الأقوى في أوروبا وربما العالم يضاف إلى ذلك الالتزام الذي حققه لها الدين من خلال شخصية والدها القسيس.

 

إلى الآن فإن ميركل تفضل أن تقضي بعض الإجازات في مرتع طفولتها في إقليم أوكيرمارك شمال شرقي ألمانيا لديها بيت هناك وهي تشعر بالحنين والامتنان للمكان الذي وهبها – ربما – شخصيتها الحاضرة بكل ما فيها من تأثير وكاريزما جعلتها تصبح مستشارة للمرة الرابعة في البلد الأقوى اقتصاداً في أوروبا.

 

وفي حين أن والد ميركل توفي سنة 2011 فإن والدتها لا تزال حية في الـ85 من عمرها تمارس تدريس اللغة الإنجليزية وتعيش بمدينة الطفولة في تمبلين التي لم تغادرها وأحبتها. ومن فترة لأخرى تقوم ميركل بزيارة والدتها كما تزور بيت الطفولة الذي تغير شكله كثيراً.

 

هوايات من سن مبكرة!

تعلمت ميركل من تلك المنطقة الريفية أموراً كثيرة كالعناية بالزرع وأعمال الحدائق التي تعتبر جزءاً من هواياتها إلى اليوم كما أنها تعشق الطبخ هي طباخة ماهرة تقوم مرات كثيرة بالطهي بنفسها لاسيما في بيتها الريفي عندما تذهب للعطلة هناك ويبدو أنها جميعاً فنون تتداخل في شخصيتها من تنسيق الحديقة إلى الطهي فالسياسة.

 

منزلها في المدينة لا يلفت الانتباه فهو عادي جداً وعندما تذهب إلى هناك فهي تمارس حياة عادية جداً حيث تذهب بنفسها للسوبر ماركت. أما والدتها فهي إلى اليوم ربما تعيش أجواء ألمانيا الشرقية فهي امرأة كتومة ترفض الحديث عن ابنتها المستشارة كما أنها لا ترغب في خوض الأحاديث السياسة ودائماً يفشل الصحافيون معها.

المصدر : التيار الوطني